
كتبت "الاخبار" التالي : هل المطلوب إجراء الانتخابات في موعدها أم تأجيلها لإطالة عمر الحكومة الحالية؟
بات هذا السؤال مشروعاً في ظل احتدام النقاش الداخلي حول الاستحقاق النيابي، في ظل تأكيد مراجع رسمية واسعة الاطلّاع أن أحداً في لبنان لا يمتلك الجواب النهائي حول مصير الانتخابات. فالحرص الظاهر للقوى الرئيسية على إجراء الانتخابات في موعدها لا يعكس حقيقة المداولات، التي ترتبط جزئياً بتطورات خارجية ومواقف قوى إقليمية ودولية، ولا سيما السعودية والولايات المتحدة.
ويبدو رئيس الحكومة نواف سلام الأكثر حماسة لتأجيل الانتخابات، إذ روّج في الأيام الأخيرة أنه تلقّى رسائل مباشرة من جهات خارجية بعدم الرغبة في تعديل التوازن القائم حالياً. وفيما أشار سلام إلى دعم السعودية وفرنسا للتأجيل، أكّد السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى أن بلاده غير معنية بالتدخّل.
ويرتبط موقف سلام بسعيه للبقاء في منصبه، وسط نقاش دستوري متباين. ففيما ينص الدستور على أن الحكومة تُعتبر مستقيلة تلقائياً بانتهاء ولاية مجلس النواب في 25 أيار المقبل، تعتبر آراء أخرى أن الحكومة تبقى قائمة إذا لم تُجرَ انتخابات لمجلس نيابي جديد، إلا إذا انعقد المجلس وسحب الثقة منها. ويستند سلام إلى الرأي الأخير، وإن كانت مخاوفه قد زادت بعد المهرجان الذي أقامه تيار المستقبل والكلام عن نيته المشاركة في الانتخابات.
وينبع قلق سلام فقط من كون أمل وحزب الله لا يريدان بقاء حكومته، ومن أن الحريري قد يكون حليفاً موضوعياً لهما في ذلك. كما أن النائب السابق وليد جنيلاط قد يكون صاحب مصلحة في إجراء الانتخابات. كذلك يتهم رئيس الحكومة رئيس الجمهورية جوزيف عون بالسعي إلى الإطاحة بحكومته بإصراره على إجراء الانتخابات في موعدها. وبحسب مصادر وزارية، كان الاستياء واضحاً على وجه سلام في جلسة أمس، عندما قال عون :«سمعنا سابقاً عن تأجيل الانتخابات البلدية ولكنها حصلت. واليوم نسمع عن تأجيل الانتخابات النيابية، لكنها ستحصل في موعدها».
رسمياً، يؤكد رئيس الجمهورية التزامه بتنفيذ الدستور وإصراره على إجراء الانتخابات في موعدها، معتبراً أن الحكومة قد أتمّت واجباتها وأن الملف بات في يد مجلس النواب، الذي يفترض به تقرير أي تعديل يتعلق بإلغاء المقاعد الستة للمغتربين أو تنظيم التصويت من الخارج، وهو ما يصرّ عليه رئيس الحكومة. وفي المقابل، يرى رئيس المجلس النيابي نبيه بري أن القانون النافذ قابل للتطبيق ولا حاجة إلى تعديلات إلا إذا أعلنت الحكومة عجزها عن تنفيذه.
سلام يقول صراحة إن الرياض وباريس لا تريدان إجراء الانتخابات، وحشد لآراء دستورية وقانونية تجيز تصويت المغتربين للنواب الـ128
بين ما يريده عون وما يريده بري، يحاول نواف سلام المناورة، فهو من جهة يلتزم بتوصيات السعودية والولايات المتحدة لضمان تصويت المغتربين لمصلحة النواب الـ128، فيما يبقى الجدل حول مصير القانون الحالي بعيداً عن الحلول الفورية، خاصة أن من يسعون لتأجيل الانتخابات بحاجة إلى رافعة وطنية كبيرة غير متوفّرة. ويستند سلام إلى رأي مفاده أن عدم اتخاذ الإجراءات التطبيقية لإنشاء الدائرة الـ16 يعني وجوب منح المغتربين حق التصويت للنواب الـ128، سواء عبر التصويت من الخارج أو داخل لبنان.
الجدل حول هذه النقطة يعقّد المشهد أكثر، إذ لم يعد النقاش عن تأجيل بسيط لشهرين فقط، بل يُرجّح أن يمتد التأجيل لفترة أطول، كون المجلس النيابي ليس في وارد تعديل القانون لتلبية مطالب الفريق السياسي التابع للوصاية الأميركية - السعودية، ما يعني أن بري سيصرّ على تنفيذ القانون الحالي، رامياً الكرة في ملعب الحكومة. وفي حال أقدمت غالبية نيابية على طلب تمديد ولاية المجلس، فلن يقتصر الأمر على شهرين أو ثلاثة، بل قد يشمل فترة أطول.
وعند هذه النقطة، تراوح التكهّنات بين من يريد تمديداً تقنياً ومن يرغب بالتمديد لولاية كاملة، علماً أن أمل وحزب الله والاشتراكي والمستقبل، يريدون جميعاً إجراء الانتخابات في موعدها، كلّ لأسبابه، فيما الصورة تبدو مختلفة لدى حلفاء أميركا والسعودية، الذين زاد منسوب القلق لديهم، بعد الإشارة الواضحة من الرئيس سعد الحريري إلى نيته المشاركة في الانتخابات، ما سيكون له تأثير كبير على تركيبة الكتلة النيابية السنّية، وعلى حصة «القوات اللبنانية» في أكثر من دائرة.
وحتى ساعات قليلة قبل انعقاد جلسة الحكومة أمس، كان وزير الداخلية أحمد الحجار يجزم بأنه بات قادراً على السير بالانتخابات في موعدها بعد قرار هيئة التشريع والاستشارات، إلا إذا اتّخذ مجلس الوزراء قراراً آخرَ. ولدى طرحه الموضوع من خارج جدول الأعمال داخل الاجتماع، توافق الحاضرون على ضرورة إجراء الانتخابات، إلا أن أياً منهم لم يتبنّ بشكل مباشر رأي الهيئة. وبالتالي رُحّل الخلاف إلى تاريخ لاحق بالتزامن مع فتح باب الترشيحات وتقلّص المهل، علماً أن الحجار نفسه أشار إلى أن «الاستشارة غير ملزمة، إلا أن عدم الأخذ بها يستوجب تعلِيلاً رسمياً وفقاً لإحدى مواد تنظيم العمل في وزارة العدل».
وسواء أكان الحجار اتّخذ قراراً فردياً باللجوء الى الهيئة أم تلقّى تعليمات بذلك، فإن السؤال طُرح بقوة، نتيجة إشارة الرئيس بري إلى وجود جهة خلف الاستشارة، ولم يعرف ما إذا كان يقصد رئيس الحكومة أو جهة خارجية، علماً أنه كان الأجدر بوزير الداخلية أن يدرك حجم المخالفة القانونية التي يرتكبها.
فالحديث هنا عن قانون نافذ أُقرّ في مجلس النواب ويحمل موادَّ واضحة، ما يفرض اللجوء إلى المجلس نفسه لتعديله أو تعليق أي مادة أو تفصيل فيه، وليس اللجوء إلى هيئة استشارية باتت تُستخدم للقفز فوق القوانين، كما حصل في ملف «ستارلينك» وإدارة وتشغيل شبكتَي الخلوي واتفاقية الترسيم البحري مع قبرص وقضية الرسوم المتوجّبة على المتعدّين على الأملاك البحرية وغيرها.
ومن الواضح أن من لجأ إلى الهيئة كان يعلم مُسبقاً أنها تمنح آراء «غبّ الطلب»، وتنفّذ أجندات سياسية أكثر مما تعمل وفق القانون. فالهيئة نفسها، وفي معرض إجابتها على السؤاليْن الموجّهيْن إليها من وزير الداخلية، تقرّ في بداية الردّ بأن تعليق العمل بالدائرة الـ16 يستوجب تدخلاً تشريعياً، إلا أن ذلك لا يثنيها عن إبداء رأيها في موضوع خارج عن اختصاصها، واتخاذ موقف واضح إلى جانب القوى السياسية المُصِرّة على حجب حق المغتربين لمصالح خاصة، عبر الاجتهاد بأنه يُفترض تطبيق القانون بالشقّ القابل للتطبيق منه.
ولم تكتف الهيئة ورئيستها جويل فواز بإصدار رأي هزيل يسمح بحذف فصل من القانون الانتخابي النافذ، بل صادرت آراء أكثر من 144 ألف ناخب مسجّلين في الخارج عندما اعتبرت أنهم «أعربوا عن نيتهم الاقتراع في مراكز انتخابية في السفارات أو القنصليات وبالتالي لا يجوز حرمانهم من حقّهم في الانتخاب وإلا سيُعدّ ذلك مخالفة دستورية»، علماً أن الوزير دعا الهيئات الناخبة على أساس القانون النافذ، ومن تسجّل في الخارج، فعل ذلك على أساس الاقتراع لستة مقاعد في الخارج. وبالتالي، فإن التضليل الذي ترتكبه الهيئة والحجار هو المخالفة الدستورية الفاقعة.
الصورة : (مروان بو حيدر)
