
المحامي سعيد بوعقل
لم تكن جزين يوماً مدينة عابرة في تاريخ الجنوب، ولا محطة موسمية تنتهي بانتهاء فصل الاصطياف. فمنذ ما قبل نشوء الكيان الصهيوني عام 1948، عُرفت جزين بـ«مصيف العرب»، تستقبل القادمين إليها من مصر عبر العريش، ومن فلسطين وسوريا وسواها، في مشهدٍ اختلطت فيه الجغرافيا بالودّ، والانتماء بالانفتاح.
في تلك المرحلة، لم تكن جزين مجرّد مقصدٍ سياحي، بل مساحة لقاء إنساني وثقافي، حيث نسج أبناؤها علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والعيش الواحد مع محيطهم، بعيداً عن كل ما حاولت بعض التيارات زرعه من انقسامات طائفية أو مذهبية أو غرائزية. فكانت، بحكم موقعها وحكمة رجالاتها، أقرب إلى نموذجٍ وطنيٍّ متوازن، يعرف كيف يحمي نفسه دون أن ينغلق، وكيف ينفتح دون أن يفقد هويته.
هذا النهج لم يكن ظرفياً، بل تحوّل إلى تقليدٍ راسخ. فعلى امتداد المحطات الصعبة التي مرّ بها لبنان، بقيت جزين على عهدها، تقرأ الأحداث بعينٍ وطنية، وتتعامل مع التحديات بوعيٍ يتجاوز الحسابات الضيقة.
واليوم، مع العدوان الهمجي الذي يتعرّض له لبنان عامة، وجنوبه خاصة، تعود الصورة ذاتها لتتكرّر. آلاف الوافدين إلى جزين ومنطقتها، هرباً من القصف والدمار، لم يُستقبلوا كغرباء، بل كأهلٍ في بيوتهم. لم يكن ذلك منّةً أو استعراضاً، بل تعبيراً طبيعياً عن قناعة راسخة لدى أبناء جزين بأن الواجب الوطني لا يُقاس بالظروف، بل يُمارَس حين تدعو الحاجة إليه.
وفي هذه اللحظة تحديداً، لا يعود المشهد مجرد استجابة آنية، بل امتداداً لشيء أعمق.
وإذا كان لكل مدينةٍ ذاكرة، فإن أخطر ما يمكن أن يصيبها هو أن تُمحى هذه الذاكرة أو يُعاد تفسيرها على قياس اللحظة. غير أن جزين، في كل اختبار، تثبت أن ذاكرتها ليست قابلة للمساومة ولا لإعادة الصياغة. فهي تعرف جيداً من تكون، ومن أين أتت، وكيف صمدت. وفي زمنٍ تتبدّل فيه المواقف وتُختزل القيم، تبقى هي على ثوابتها، لا تنجرف خلف الرياح، ولا تنكسر أمامها، بل تزداد تمسّكاً بما حماها دائماً: اعتدالها، ووطنيتها، ووفاؤها لمحيطها.
ولأن الشعر، في بعض اللحظات، يكون أصدق من أي خطاب، نستعيد هنا ما كتبه الراحل الوزير والنائب السابق جان عزيز، ابن جزين، في خضم مرحلة الاجتياح في ثمانينيات القرن الماضي. يومها، لم تكن القصيدة ترفاً أدبياً، بل كانت تعبيراً عن موقف، وصدىً لزمنٍ كانت فيه الأرض تختبر أهلها:
صيدونُ حاضرةُ الوفاءِ
علّمتنا كيف الإباء
علّمتنا هزجَ السيوف
إذا استُضيمت كبرياء
وإذا استطالت دولةٌ
طمعاً بأرضٍ أو بماء
واختال في أرجائنا
عاتٍ، وعربد في الفضاء
وترنّم الوحشُ الحديدُ
وصبّ أنواعَ الفناء
فترنّحت قممُ الجبال
وقيل: قد جاء القضاء
وتساقطت الدنيا لديك
وهبّ إعصارُ الفناء
سالَ الجنوبُ مقاتلاً
بطلاً، وعادت كربلاء
أيُّ كربلاء؟ شبابُنا
سمعوا المنادي والنداء
صوتَ الحسين، وقاله
في الرعد، وحيُ الأنبياء:
«خلّوا الجنوبَ لأهله»
أو لا، فأنفسُنا الفداء
إنّ الجهادَ فريضةٌ
فاقرع بها باب السماء
يا فتيةً صاغوا لنا
في الموت أسبابَ البقاء
تلك القبورُ أحبّها
حبي لقبري في العراء
رضي الإمامُ بقاءَه
فيه، ليخرجَ كالضياء
الشمسُ عند رجوعها
أبهى وأشرقُ في العلاء!
ليست هذه الأبيات مجرد استحضارٍ لماضٍ بعيد، بل هي مرآة لنهجٍ متجذّر، وذاكرة تختصر ما كانت عليه جزين، وما لا تزال عليه اليوم.
وهكذا، بين ذاكرةٍ لا تُمحى وواقعٍ يُعاد تأكيده كل يوم، تبقى جزين على حقيقتها: لا تحتاج إلى إعلان مواقف، لأنها تمارسها. ولا إلى شعارات، لأن تاريخها يتكفّل بالكلام.
جزين، ببساطة، لا تروي التاريخ… بل تكتبه.
