
المحامي سعيد بو عقل
تبدأ الحكاية عادة بصورة جميلة...شباب يعتنقون فكرة، يؤمنون بعقيدة، وينتمون إلى حزب أو تيار أو حركة سياسية. يناضلون بإخلاص، يقدمون التضحيات، ويتحملون المشقات، فيكبرون داخل تنظيماتهم ويكبر حضورهم في وجدان رفاقهم وبيئاتهم.
ومع مرور الزمن، تفتح أمام بعضهم أبواب المسؤولية. فيصبح نائباً أو وزيراً أو رئيس بلدية أو مسؤولاً حزبياً أو إدارياً. ويبدو للوهلة الأولى أن مسيرة النضال قد بلغت ذروتها وأن الحزب حصد ثمار تضحيات أبنائه.
لكن هنا تبدأ المعضلة.
فالمناصب التي يفترض أن تكون وسيلة لخدمة القضية تتحول عند البعض إلى غاية بحد ذاتها. ويصبح الموقع الذي منحهم إياه الحزب أثمن لديهم من الحزب نفسه، وتغدو المحافظة عليه أولوية تتقدم على المبادئ والعقائد التي حملتهم إليه.
عندها يبدأ التبدل التدريجي.
فتتراجع روح النضال لتحل محلها الحسابات الشخصية. وتتقدم المصالح الفردية على المصلحة العامة. ويتحول النشاط الحزبي إلى شأن ثانوي، بينما تصبح الصراعات الداخلية والمنافسات الشخصية والاصطفافات الضيقة الشغل الشاغل لأصحاب المواقع.
والمؤسف أن الضرر لا يصيب هؤلاء وحدهم، بل يصيب الأحزاب والتيارات التي ينتمون إليها. فحين يشعر المناضلون الصادقون أن التضحية لم تعد معيار التقدم، وأن الولاء للقضية أصبح أقل أهمية من الولاء للأشخاص، تضعف الحماسة ويبهت الانتماء وتتآكل العصبية الحزبية التي تشكل القوة الحقيقية لأي تنظيم.
والأخطر من ذلك أن بعض من صنعهم الحزب يتحولون، عند أول خلاف أو قرار تنظيمي لا يوافق مصالحهم، إلى خصوم له. فتتبخر فجأة سنوات طويلة من الخطابات والشعارات والعقائد، ويصبح الانتماء الذي كان يوماً مصدر فخر مجرد ذكرى بعيدة.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل كان الولاء للمبدأ أم للموقع؟
وهل كانت العقيدة إيماناً حقيقياً أم مجرد جسر للعبور إلى السلطة؟
إن الأحزاب لا تضعف بسبب خصومها بقدر ما تضعف عندما يتقدم فيها أصحاب المصالح على أصحاب المبادئ، وعندما تتحول المواقع إلى ملكيات خاصة يتشبث بها أصحابها كأنها حق مكتسب لا وظيفة مؤقتة.
فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الأفكار تبقى، أما الأشخاص فيرحلون. وأن الأحزاب التي تنجح في تجديد نفسها وإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة هي وحدها القادرة على الاستمرار. أما تلك التي تتحول إلى رهينة طموحات أفرادها، فإنها تدخل تدريجياً في مرحلة الشيخوخة السياسية مهما بدت قوية من الخارج.
ولعل أكثر المشاهد إثارة للأسى أن ترى بعض السياسيين يتشبثون بمواقعهم بعدما يكون الزمن قد تجاوزهم، غير قادرين على إدراك أن لكل مرحلة رجالها، وأن الحكمة الحقيقية لا تكمن في البقاء في الواجهة إلى الأبد، بل في معرفة اللحظة التي يصبح فيها العطاء من موقع مختلف أكثر فائدة وأبقى أثراً.
فكما أن الشباب لا يدوم، كذلك المناصب لا تدوم.
أما المبادئ الصادقة، فهي وحدها التي تبقى وتستحق أن يُضحّى من أجلها
