
المحامي سعيد بوعقل
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين لبنان وسوريا بعد التغيير الكبير الذي شهدته سوريا ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى سدة الرئاسة.
وقد لفتني في إحدى مقابلاته الأخيرة تأكيده عدم وجود أي نية لدى سوريا للتدخل في لبنان أو الدخول في مواجهة مع حزب الله، كما لفتني إعلانه استعداده للجلوس إلى طاولة واحدة مع الحزب إذا كان في ذلك مصلحة لسوريا ولبنان.
وفي المقابل، سمعنا من بعض قيادات حزب الله كلاماً لا يغلق الباب أمام مثل هذا الاحتمال، بل يوحي بإدراك متبادل لأهمية العلاقة بين البلدين مهما بلغت الخلافات ومهما كانت تعقيدات المرحلة.
إن التوقف ملياً أمام هذه المواقف يقود إلى استنتاج مهم: أن السياسة مهما اشتدت خلافاتها، تبقى عاجزة عن إلغاء حقائق ثابتة اسمها الجغرافيا والتاريخ.
فلبنان وسوريا ليسا دولتين متجاورتين فحسب، بل هما بلدان ربطت بينهما عبر قرون طويلة علاقات إنسانية واقتصادية واجتماعية وثقافية يصعب تجاوزها أو القفز فوقها. وقد أثبتت التجارب أن أي محاولة لبناء مستقبل أحدهما بمعزل عن الآخر كانت تصطدم دائماً بالوقائع الجغرافية والتاريخية التي تعيد الأمور إلى طبيعتها.
ومن هنا، فإن ما يهم ليس ما كان عليه الطرفان في الماضي، بل ما يمكن أن يكونا عليه في المستقبل.
فالرئيس أحمد الشرع أصبح رئيساً لسوريا بكل مكوناتها وتوجهاتها ومصالحها، ولم يعد قائداً لفريق أو تيار بعينه. وحزب الله، شاء البعض أم أبى، يشكل قوة سياسية وشعبية وعسكرية وازنة في لبنان لا يمكن تجاهل حضورها أو دورها في أي معادلة تتعلق بمستقبل البلاد.
ولذلك فإن مصلحة البلدين تقتضي أن يتجاوز الطرفان جراح الماضي مهما كانت مؤلمة، وأن ينظرا إلى المستقبل بعين الواقعية السياسية لا بعين الثأر أو الحسابات القديمة.
فالدول لا تبنى على الأحقاد، بل على المصالح الوطنية. والشعوب لا تؤمن مستقبلها بالعيش في الماضي، بل بالقدرة على التعلم منه وتجاوزه.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن لبنان وسوريا يواجهان تحديات متشابهة، وأن استقرار أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر. كما أن ما يجمعهما من مصالح اقتصادية وتجارية وأمنية يفوق بكثير ما يفرقهما من خلافات سياسية أو أيديولوجية.
أما أولئك الذين ما زالوا ينظرون إلى العلاقة بين البلدين من زاوية الانقسامات التقليدية والشعارات القديمة، فإنهم يتجاهلون حقيقة ثابتة أثبتتها الوقائع مراراً: أن الجغرافيا لا تتغير، وأن التاريخ لا يمحى، وأن مصالح الشعوب أقوى من رغبات السياسيين مهما اشتدت خلافاتهم.
لقد شهد لبنان خلال تاريخه الحديث قوى وتيارات بنت جزءاً كبيراً من خطابها السياسي على القطيعة مع سوريا أو على التخويف منها، كما شهد في المقابل قوى أخرى بالغت أحياناً في الرهان على هذه العلاقة. لكن التجارب أثبتت أن التطرف في الاتجاهين لا يؤدي إلى بناء علاقة صحية ومتوازنة بين البلدين.
فالعلاقة السليمة لا تقوم على التبعية، كما لا تقوم على العداء الدائم، بل على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والسيادة الكاملة لكل دولة على أرضها وقرارها.
ولعل أجمل ما قيل في وصف العلاقة بين البلدين ما كتبته الأديبة اللبنانية الكبيرة مي زيادة عندما تحدثت عن “هذه الواو الكافرة” التي تفصل بين لبنان وسوريا. وهي عبارة تختصر إلى حد بعيد خصوصية العلاقة بين بلدين يفصل بينهما حرف عطف، لكنه لا يستطيع أن يلغي ما جمعته الجغرافيا والتاريخ عبر مئات السنين.
ويبقى الرهان اليوم على أن ينتصر منطق الدولة والمصلحة الوطنية في البلدين، وأن يدرك الجميع أن المستقبل لا يصنعه أسرى الماضي، بل أولئك القادرون على التعلم منه وبناء جسور جديدة فوق جراحه.
فالجغرافيا، في نهاية المطاف، أقوى من السياسة… وأبقى منها.
