
المحامي سعيد بوعقل
ليس أخطر على الأوطان من الحروب… إلا سلامٌ يفتقد إلى العدالة.
فالحروب، مهما طالت، يدرك الناس أنها مرحلة استثنائية لا بد أن تنتهي، أما الاتفاقات التي تُبرم باسم السلام فقد تتحول، إن اختل فيها ميزان الحقوق والواجبات، إلى واقع دائم يرسم مستقبل الأجيال ويحدد مصير الأوطان.
لبنان، الذي دفع أثماناً باهظة من دماء أبنائه، ومن اقتصاده، ومن استقراره، لا يحتاج اليوم إلى سلام بأي ثمن، بل إلى سلام يحفظ كرامته وسيادته، ويؤسس لاستقرار حقيقي لا يقوم على غلبة طرف على آخر، ولا على شعور فريق من اللبنانيين بأن ما عجزت الحروب عن انتزاعه منهم قد انتزعته السياسة.
من هنا، فإن أي وثيقة أو إطار يُطرح باسم السلام، لا يجوز أن يُستقبل بالتصفيق أو بالرفض المسبق، وإنما بالقراءة الهادئة والمسؤولة، لأن ما يُكتب اليوم قد يصبح غداً واقعاً يصعب الرجوع عنه.
السلام الحقيقي ليس مجرد وثيقة توقع، ولا مجموعة بنود تُصاغ بلغة دبلوماسية أنيقة، بل هو منظومة متكاملة تقوم على العدالة والتوازن والاحترام المتبادل للسيادة، بحيث يشعر كل طرف أنه خرج من الاتفاق أكثر أمناً لا أكثر ضعفاً.
من هنا، فإن قراءة متأنية للإطار المطروح تفرض على كل لبناني، أياً كان موقعه السياسي، أن يتوقف عند جملة من النقاط التي تستحق النقاش الهادئ، بعيداً عن التخوين وبعيداً أيضاً عن التسليم بأن كل ما يطرح هو بالضرورة لمصلحة لبنان.
فاللافت في هذه الوثيقة أن الالتزامات المطلوبة من الجانب اللبناني جاءت محددة وواضحة وقابلة للتنفيذ الفوري، وفي مقدمها إعادة تنظيم ملف السلاح ضمن مهل وآليات محددة، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وربط المساعدات وإعادة الإعمار بمراحل تنفيذ هذه الالتزامات.
أما في المقابل، فإن الالتزامات الإسرائيلية تبدو في معظمها ذات طابع سياسي أو ترتبط بإعلانات نوايا وضمانات مستقبلية، من دون أن تتضمن ما يكفي من الآليات الملزمة التي تحول دون تكرار الاعتداءات أو الخروقات التي عرفها لبنان طوال عقود.
وهنا يبرز السؤال المشروع: هل يكفي أن نثق بالوعود وحدها، بينما يعلم اللبنانيون جميعاً أن إسرائيل لم تلتزم، في محطات كثيرة من تاريخ الصراع، بالقرارات الدولية ولا بالاتفاقات التي أبرمت سابقاً؟
إن التجربة اللبنانية مع إسرائيل ليست تجربة نظرية، بل تجربة عاشها اللبنانيون بالدم والدموع. فمنذ اتفاق الهدنة عام 1949، مروراً بالاعتداءات المتكررة، والاحتلال الذي دام سنوات طويلة، واتفاق السابع عشر من أيار الذي سقط لأنه افتقد التوازن والإجماع الوطني، وصولاً إلى الحروب المتلاحقة والخروقات اليومية للسيادة اللبنانية، أثبت التاريخ أن الضمانات المكتوبة لا تكفي وحدها لصناعة السلام إذا لم تقترن بإرادة حقيقية واحترام فعلي للقانون الدولي.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا هو أن قوة لبنان لم تكن يوماً وليدة تفوق عسكري، ولا نتاج موازين قوى مادية رجحت لمصلحته، بل كانت على الدوام ثمرة إرادة وطنية رفضت الاستسلام للاحتلال وتمسكت بحقها في الدفاع عن الأرض والكرامة والسيادة. فمن مقاومة الانتداب إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، أثبت اللبنانيون أن قوة الشعوب لا تُقاس بما تملكه من عتاد فحسب، بل بما تختزنه من إيمان بحقها في الحرية، وبقدرتها على الصمود عندما تعجز لغة القوة عن كسر إرادتها.
من هنا، فإن أي مقاربة لمستقبل لبنان الأمني ينبغي أن تنطلق من هذه الحقيقة، فلا تختزل عناصر القوة في بعدها العسكري وحده، ولا تُفرط بها قبل قيام منظومة وطنية متكاملة تمنح اللبنانيين جميعاً الثقة بأن دولتهم أصبحت قادرة وحدها على حماية أرضها وسيادتها.
من النقاط التي تستوجب التوقف عندها أيضاً، الربط بين إعادة إعمار ما دمرته الحرب وبين تنفيذ الترتيبات الأمنية. فإعادة إعمار القرى والبلدات ليست منّة من أحد، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة ضغط سياسي، بل هي حق طبيعي لأبناء وطن دُمرت منازلهم ومؤسساتهم نتيجة حرب دفع اللبنانيون جميعاً أثمانها.
كما أن أي معالجة لملف السلاح لا يمكن أن تنجح إذا جاءت نتيجة ضغوط خارجية أو موازين قوى دولية، بل يجب أن تكون ثمرة حوار لبناني – لبناني يفضي إلى استراتيجية دفاعية وطنية يتوافق عليها اللبنانيون جميعاً، تحفظ للدولة دورها الكامل، وتبني الثقة بين مختلف مكونات المجتمع، وتجمع بين حق الدولة في بسط سلطتها وحق الوطن في امتلاك الوسائل الكفيلة بحماية سيادته ضمن رؤية وطنية جامعة.
ويزداد القلق عندما يغيب عن أي إطار واضح الحديث الصريح عن معالجة القضايا العالقة التي تمس السيادة اللبنانية، وفي مقدمها الأراضي التي لا يزال لبنان يعتبرها محتلة، والتعويض عن الأضرار الهائلة التي لحقت به، والضمانات العملية التي تحول دون تكرار الاعتداءات مستقبلاً. فسلام لا يعالج جذور المشكلة يبقى معرضاً للاهتزاز عند أول أزمة.
ولا يقل خطورة عن ذلك احتمال انعكاس مثل هذه الترتيبات على الداخل اللبناني نفسه.
فالقضايا المصيرية لا تُبنى على الغلبة، ولا تستقر بالإملاء، وإنما بالتوافق الوطني. وأي اتفاق يشعر معه قسم من اللبنانيين بأنه استهدفه أو فُرض عليه من الخارج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي، وهو أمر يشكل بحد ذاته تهديداً للسلم الأهلي الذي يشكل رأس مال لبنان الحقيقي.
إن المطلوب اليوم ليس رفض السلام، وإنما المطالبة بسلام عادل ومتوازن، يحفظ سيادة لبنان كاملة، ويؤمن انسحاباً كاملاً من كل أرض محتلة، ويقدم ضمانات فعلية لا لفظية تمنع تكرار العدوان، ويحمي وحدة اللبنانيين قبل أي شيء آخر.
وفي النهاية، لا بد من التأكيد أن الاختلاف في الرأي حول هذه الوثيقة لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام جديد بين اللبنانيين. فالوطن لا يُبنى بالتخوين، كما لا يُبنى بالتسليم الأعمى لكل ما يُطرح باسم السلام.
لقد علمتنا التجارب أن الأوطان قد تخسر معركة ثم تستعيدها، وقد تنهض بعد حرب مهما كانت مدمرة، لكنها إذا خسرت وحدتها الوطنية أو تخلت عن عناصر قوتها قبل أن تتيقن من قيام سلام عادل ومستقر، فإنها تعرض مستقبلها لمخاطر قد يصعب تداركها.
من هنا، يبقى المعيار الحقيقي لأي اتفاق ليس عدد الصفحات التي يتضمنها، ولا حجم الترحيب الدولي به، بل مقدار ما يحققه للبنان من سيادة، وما يوفره له من ضمانات فعلية، وما يزرعه في نفوس أبنائه من ثقة بأن وطنهم لم يقدم من التنازلات أكثر مما تفرضه مصلحته الوطنية.
فالسلام غاية نبيلة، لكنه لا يكون سلاماً دائماً إلا إذا سار جنباً إلى جنب مع السيادة والعدالة والكرامة الوطنية. وبين حقِّ السلام… يبقى واجبُ صونِ السيادة هو الامتحان الأصعب، وهو الضمانة الوحيدة لكي لا يتحول سلام اليوم إلى أزمة الغد
