
كتبت صحيفة "الأخبار": حوّلت المقاومة محاور التقدم البري للعدو الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى مقبرة لدباباته، فيما أفقدته الكثافة العملياتية الاستثنائية والتنسيق الناري الدقيق للأسلحة المتنوعة أي قدرة على تثبيت احتلاله
سجلت المقاومة في اليومين الأخيرين رقماً قياسياً في عدد عملياتها التي نفذتها ضدّ القوات المتوغلة في الأراضي اللبنانية، والمواقع والحشود العسكرية والمستوطنات في شمال وعمق فلسطين المحتلة، مروراً بحيفا (الكريوت) ووصولاً إلى وزارة الحرب الإسرائيلية في تل أبيب (87 عملية عسكرية الأربعاء و92 عملية أمس الخميس حتى الساعة 12 ليلاً). كما تمكن المقاومون من تحقيق «مجزرة دبابات» غير مسبوقة في الأرتال التي حاولت التوغل في محوري (الطيبة - القنطرة) و(القوزح - دبل).
وعبر هذه العمليات، أظهرت المقاومة تماسكاً استثنائياً في منظومة القيادة والسيطرة، ولا سيما في كمين المحيسبات - القنطرة، في مقابل غرق جيش العدو في وحل الحافة الأمامية، وفشله في إيقاف الصليات الصاروخية على الداخل المحتل. وهو ما دفعه إلى تصعيد تطبيق سياسة الأرض المحروقة والتفخيخ الهندسي للقرى الأمامية، تعويضاً عن العجز في التثبيت البري.
في التفاصيل، شهد محور الطيبة - المحيسبات - القنطرة لوحده تدمير 10 دبابات «ميركافا» وجرافتي «D9»، وعدد آخر من الدبابات وآليات الـ«هامر» في القوزح ودبل ومركبا. واعتمد المقاومون، لتحقيق ذلك، تكتيك «الكمين المزدوج والمثلث»، والذي يتمثل بتدمير الآلية، ثم الانتظار إلى حين تقدم قوة التدخل لسحب الإصابات أو الآليات، لقصفها مجدداً بالصواريخ الموجهة وقذائف المدفعية.
كما صعدت المقاومة من العمليات التعرضية (ضرب التجمعات)، التي نفذها المقاومون بإتقان، إذ لم يسمحوا للعدو بالتقاط أنفاسه، عبر استهداف تجمعات القوزح 8 مرات، والخيام 6 مرات، ودبل 4 مرات، بالمدفعية الثقيلة والصواريخ، لتشتيت أي محاولة حشد للتقدم. ترافق ذلك مع دمج تكتيكي مبهر لسلاح الجو المسير التابع للمقاومة مع قوات المشاة، إذ تم استخدام أسراب المسيرات الانقضاضية بشكل مكثف على خطوط التّماس المباشرة (الخيام ومشروع الطيبة ودبل)، ما وفر إسناداً جوياً قريباً للمقاومة، في تطور نوعي في مسار المعركة البرية.
وتحولت دير سريان أمس إلى «نقطة صد» رئيسية، إذ حاول جيش العدو اختراق البلدة عبر محور «البركة» والمرافق العامة (المسجد والمدرسة)، لكنه واجه دفاعاً شبكياً من المقاومين الذين اعتمدوا الكمائن الصاروخية المضادة للدروع، والالتحام المباشر لعرقلة تقدم المشاة، ما حوّل محيط البلدة إلى مقبرة لدبابات الـ«ميركافا» (7 استهدافات موثقة في بيانات البلدة وحدها حتى ساعات المساء).
وأيضاً، فعّلت المقاومة منظومات الدفاع الجوي، مستهدفةً مروحيات العدو بشكل مباشر 3 مرات (الأربعاء حتى مساء الخميس) بصواريخ الدفاع الجوي (في القوزح والقنطرة وكفركلا)، فيما رصدت عملية إخلاء مروحية رابعة في الطيبة.
من جهته، اعتمد العدو على «النار المدمجة» (جوي ومسيّر ومدفعي وهندسي). وبرز العجز العسكري لديه في تحول قواته المتقدمة في الخيام والطيبة إلى «التفخيخ والتدمير الهندسي للأحياء» (سياسة الأرض المحروقة) فور تسللها، لعجزها عن التمركز وتأسيس نقاط ارتكاز دفاعية أمام ضربات المقاومة.
وشهد القطاع الشرقي (الخيام والطيبة ومحيط نهر الليطاني) تركيزاً نارياً لقوات العدو تمهيداً لحماية التوغل البري المأزوم للفرقة 36، وكذلك الأمر بالنسبة إلى عقدة الأودية (إلى واديي الحجير والسلوقي)، في محاولة لتفكيك خطوط الدفاع الطبيعية للمقاومة وتدمير الكمائن والبنية التحتية المموهة.
في حين، شهد مجرى القاسمية - الخردلي - فرون تكتيك العزل العملياتي، إذ يستمر جيش العدو منذ أسبوع في محاولاته لفصل جنوب الليطاني عن شماله وتقطيع أوصال الإمداد اللوجستي. أما في القطاع الغربي وعمق صور (القليلة - زبقين - البازورية)، فنفذت قوات العدو عمليات «صيد ناري» للبحث عن أصول نارية أو بشرية للمقاومة، فيما نفذت في العمق المباشر (النبطية والدوير) والعمق الاستراتيجي (الضاحية الجنوبية لبيروت) قصفاً تدميرياً بهدف ضرب بيئة المقاومة وتدمير عقد القيادة والسيطرة الخلفية، كتعويض استراتيجي وإعلامي عن الفشل البري.
وفي ظل استمرار حزب الله بتهجيره لسكان المستوطنات الأمامية، شنّ رئيس بلدية كريات شمونة أفيحاي شتيرن، هجوماً حاداً على الحكومة الإسرائيلية، متهماً إياها بالتقصير في تأمين الحماية لسكان المدينة الواقعة قرب الحدود مع لبنان. وقال شتيرن: «هذه المرة الأولى التي نخسر فيها مدينة في دولة إسرائيل. يوجد اليوم فقط 10 آلاف شخص في كريات شمونة (...) إذا استمر هذا الوضع شهراً آخر، فلن يبقى سوى 10 أشخاص فقط».
إلى ذلك، أفادت «القناة 13» العبرية بأن رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زمير، حذّر في جلسة في الـ«كابينت»، من أن الجيش الإسرائيلي «على وشك الانهيار من الداخل». وقال: «أنا أرفع 10 أعلام حمراء (..) الجيش بحاجة الآن إلى قانون تجنيد، قانون احتياط وقانون تمديد الخدمة الإلزامية»، مؤكداً أن «الاحتياط (الحالي) لن يصمد».
مواجهة محور الطيبة - القنطرة
بينما كانت قوات اللواء السابع التابع للفرقة 36 في جيش العدو، تنفذ استطلاعاً بجرافة مُسيّرة بالتحكم عن بعد بين منطقة المحيسبات في بلدة الطيبة وبلدة القنطرة، بهدف كشف تموضعات دفاعات المقاومة، رصدها رجال المقاومة، فأمهلوها بغية استدراجها إلى كمين مُحكم. وبعد تقدّم سريّة مدرّعات نحو القنطرة، استهدفتها المقاومة بصواريخ موجّهة ودمّرت عدّة دبابات وجرّافة. فحاولت قوات العدو الخلفية التمويه بالدخان، لكن تم تدميرها أيضاً، بالتزامن مع قصف مدفعي لمقرات وتعزيزات جيش العدو.
فشل الهجوم الأمامي بعد تدمير مزيد من الآليات، ما دفع جنود العدو إلى الانسحاب سيراً على الأقدام. بذلك، أحبط المقاومون العملية بالكامل مع تدمير 10 دبابات «ميركافا» وجرافتي «D9»، إضافة إلى إفشالهم محاولة سابقة وتدمير 8 دبابات.
في العموم، تتألف سرية الدبابات الإسرائيلية من 10 إلى 11 دبابة «ميركافا»، فيما أكدت المقاومة في بيان تدمير 10 دبابات «ميركافا» وجرافتي «D9»، ما يعني خروج سرية مدرعات كاملة تابعة للواء النخبة السابع المدرع (أقوى تشكيل دبابات) من الخدمة في اشتباك واحد استمر ساعتين.
عسكرياً، بلوغ نسبة الخسائر 100% في القوة المهاجمة يُصنف كـ«إبادة تكتيكية»، وهو من أندر وأعقد الإنجازات في الحروب غير المتكافئة. أما تكتيكياً، فتُظهر العملية انضباطاً عالياً وصبراً تكتيكياً لدى المقاومة، إذ تعمّد المقاومون تجاهل جرافة استطلاع إسرائيلية لخداع جيش العدو ودفعه لإدخال قوته الرئيسية.
تمّ استدراج السرية إلى «منطقة قتل» قبل بدء الهجوم. واستهدفت الضربة الأولى الوسط لعزل القوة وإرباكها، تلتها ضربات متتالية على المؤخرة ثم المقدّمة، ما أدى إلى شلّ القوة بالكامل.
وفي دلالة على فاعلية إدارة النيران والأسلحة المشتركة، لم تقتصر المعركة على صواريخ مضادة للدروع، بل شملت عزل ساحة القتال بقصف مدفعي استهدف مراكز القيادة بالتزامن مع الهجوم. كما استُهدفت قوات التعزيز والإخلاء لمنع سحب الخسائر، ما أدّى إلى تفاقم الانهيار المعنوي لدى القوات المحاصرة.
تركت هذه المعركة تداعيات عملياتية ونفسية كبيرة على جيش العدو، إذ أدّت إلى انهيار معنويات الجنود الإسرائيليين، الذين تركوا آلياتهم وفرّوا سيراً على الأقدام. ويعكس ذلك تراجع فاعلية العقيدة القتالية المدرعة لديهم، خصوصاً مع فشل محاولات السيطرة على القنطرة والتقدّم نحو دير سريان بهدف الالتفاف على مواقع استراتيجية.
الصورة : (أ ف ب)
