Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • سياسية عامة
  • الخميس 28 أيار 2026

صور: مدينة لا تُمحى

صور: مدينة لا تُمحى

ريمون أبي تامر

المصدر : النهار

صور ليست مدينةً أثريةً جامدة. إنها أشبه بكيان حيّ يعيد تشكيل ذاته مع كل محنة.
ليست صور ساحلاً وبحراً فقط، فهي أرشيف مفتوح للشرق الأوسط، تتراكم فيه طبقات الفينيقيين والإغريق والصليبيين والفلسطينيين فوق بعضها. هنا يتقاطع الإرث الحضاري مع جغرافيا لا تهدأ، ويصبح التاريخ مادة يومية يعيشها الناس.

تقع مدينة صور على بعد 83 كيلومتراً جنوب بيروت، لكن وزنها يتجاوز حجمها. صور مسجّلة على لائحة التراث العالمي، ومع ذلك ظلت منذ عقود على تماس مباشر مع صراع حدودي يفرض إيقاعه على المدينة وسكانها.

الصخرة التي ربطها الإسكندر باليابسة
اسم "صور" من الفينيقية ويعني الصخرة. المدينة القديمة قامت على جزيرة منيعة، حتى جاء الإسكندر المقدوني عام 332 ق.م وبنى سداً لاقتحامها. خطوة عسكرية تحولت إلى واقع جغرافي دائم.

السد صار حاجزاً رملياً مع الزمن، وحوّل صور إلى شبه جزيرة. انقسمت المدينة عمرانياً واجتماعياً: غرباً بقيت الحارة القديمة حيث الصيادون والبيوت العثمانية، وشرقاً تمدّد حيّ الرمل بمراكزه التجارية والإدارية.

مدنٌ داخل مدينة واحدة
صور نموذج تعايش قام على الاختبار اليومي لا على الشعارات. أغلبية شيعية، مع حضور مسيحي وسني وفلسطيني، وتقاطعات لا تنفك.

في الحيّ المسيحي داخل المدينة القديمة، لا تزال عائلات مارونية وكاثوليكية تعيش من البحر.

وقصة الإمام موسى الصدر مع بائع الآيس كريم جوزيف أنتيبا لم تكن لقطة إعلامية، إنما انعكاس لعلاقة يومية كسرت الحاجز الطائفي قبل أن تصبح شعارات جوفاء.

مخيمات على الساحل
مخيمات البص والرشيدية والبرج الشمالي جزء من هوية المدينة الحديثة. عشرات آلاف الفلسطينيين يقيمون فيها منذ عام 1948.

مخيم البص بدأ مأوى للأرمن، قبل أن يستقر فيه الفلسطينيون، وما زالت كنيسة مارونية قائمة داخله شاهداً على هذا التداخل. الرشيدية الأقرب إلى فلسطين لعبت دوراً محورياً في العمل العسكري الفلسطيني، ودفعت ثمناً قاسياً خلال حرب المخيمات.

الحارة القديمة
أحياء صور تروي مراحلها. حي الرمل هو القلب الحديث، مركز التجارة والحركة. الحارة القديمة هي الذاكرة، أزقة ضيّقة وعمارة عثمانية وبيوت متلاصقة على البحر. منطقة البص تجمع بين الحياة اليومية والمواقع الأثرية كميدان سباق الخيل وقوس النصر.

هذا التماس المباشر بين الأثري والحياة اليومية جعلهما عرضة للخطر. التوسع العشوائي خلال الحرب اللبنانية ضغط على المواقع الأثرية، وحوّل بعضها إلى ساحات بناء وسكن.

من حركة المحرومين إلى الحزب
صور كانت نقطة انطلاق التحوّل السياسي للطائفة الشيعية في لبنان. مع وصول الإمام موسى الصدر عام 1959 بدأت مرحلة تنظيم المطلب الاجتماعي. وفي عام 1974 أعلن من المدينة ولادة "حركة المحرومين".

بعد عام 1982، تمدّد حضور حزب الله في الجنوب، وجعل من صور إحدى ساحاته الأساسية. اليوم تتقاسم حركة أمل وحزب الله المشهد السياسي في المدينة، مع حضور محدود للقوى الأخرى. السياسة هنا ليست صراع شعارات فحسب، بل تحوّل مباشر لمعادلة الأمن والحدود.

[دخان يتصاعد في خلفية الموقع الأثري لأطلال المرفأ الفينيقي بمدينة صور جنوب لبنان جراء غارة جوية إسرائيلية (أ.ف.ب)]
دخان يتصاعد في خلفية الموقع الأثري لأطلال المرفأ الفينيقي بمدينة صور جنوب لبنان جراء غارة جوية إسرائيلية (أ.ف.ب)

صور على خط النار منذ 1978
الموقع على تماس مباشر مع الحدود جعل صور في قلب كل مواجهة: عملية الليطاني 1978، الاجتياح 1982، عمليات 1993 و1996، حرب تموز 2006، وتصعيد 2024. كلّ جولة تركت أثراً.

في تموز 2006، عزل تدمير الجسور المدينة وحاصرها. استُهدفت البنية التحتية، وتضررت البيئة البحرية، وشلّت القنابل العنقودية الزراعة لسنوات. في 2024 كان التصعيد أقسى: أوامر إخلاء شملت معظم الأحياء، نزوح جماعي، وأضرار مباشرة طالت النسيج العمراني والمواقع الأثرية. والتحذيرات بالإخلاء ما زالت تتكرر اليوم.

بحرٌ لا يطعم الجميع، وأرضٌ لا تكفي

اقتصاد صور يقوم على ثلاث ركائز:  
ـ الصيد مصدر رزق تقليدي في الحارة القديمة، لكنه محاصر بالفقر، وغياب الحماية، وتلوث البحر، والصيد غير القانوني، وفوق كل ذلك القيود العسكرية وقت الحرب التي تقطع رزق الصيادين تماماً.

ـ الزراعة تعتمد على الليطاني وينابيع رأس العين، وتجعل صور سلة غذائية للحمضيات والموز والخضراوات. مشاريع الريّ دعمت هذا الدور، لكن الأزمات البيئية والاقتصادية تقضمه.

ـ السياحة هي الفرصة غير المستثمرة. رغم تصنيف اليونسكو، تبقى السياحة موسمية ومحدودة على الزوار المحلّيين والمغتربين. في السنوات الأخيرة ظهرت محاولات لتنشيط الحرف والصناعات الثقافية، كمحاولة لربط الاقتصاد بالإرث الحضاري بدل تركه للصدفة.

 صور مدينة لا تموت
صور ليست مدينةً أثريةً جامدة. إنها أشبه بكيان حيّ يعيد تشكيل ذاته مع كل محنة. والتحدّي الفعلي ليس في البقاء فحسب، بل في قدرتها على الموازنة بين وطأة الحروب المتكررة وطموحها المشروع لأن تكون وجهةً سياحيةً عالمية تستثمر إرثها الحضاري.

في كل مرة تُضرب، تنهض من جديد. كأن البحر والصخر قد علّماها ألا تنكسر. ومن بين الركام تعيد ترتيب أزقتها، وتفتح محالها، وتعيد كتابة روايتها.

ولا يمكن سرد حكاية لبنان من دون صور. فهي مرآةٌ مصغّرة للبلد بأسره: تاريخٌ ضارب في العمق، وتعددٌ طائفي، وصراعٌ على الحدود، وإصرارٌ على مواجهة الانهيار. إذا توقفت صور، خبا نبض الساحل الجنوبي بأسره. وإذا نهضت، سحبت معها فرصة لبنان كله بأن ما زال بالإمكان الإصلاح والنهوض.

الصور : نقلا عن النهار

تواصل معنا
صيدا - لبنان
[email protected]
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة