
كتب هادي بلوط في صحيفة "الاخبار" التالي : اتفاق الإطار يبيع اللبنانيين وهما اسمه «الدولة»، فيما يقترح عليهم فعلياً دولة منزوعة القدرة، منزوعة الردع، معلقةً على رضا الخارج، ومطالبة بأن تثبت للعدو أنها لا تشكل خطرا عليه
ليس اتفاق الإطار الذي حملته السلطة اللبنانية إلينا من واشنطن مجرد ورقة سياسية تصلح لنقاش هادئ بين من يختلفون على التفاصيل، وليس بنداً عابراً في إدارة أزمة حدودية يمكن التعامل معه كما لو أن المسألة تحتمل وجهتي نظر متوازنتين، وإنما هو نص يكشف، بكثير من الوقاحة وقليل من الحياء السياسي، كيف يمكن لسلطة مؤقتة أن تتعامل مع وطن دائم كملف أمني موضوع على طاولة أميركية، وكأن السيادة اللبنانية ليست حقا دستوريا ووطنيا وتاريخيا، وإنما امتياز مؤجل قد تمنحه إسرائيل للبنان إذا أحسن السلوك، وأثبت أنه لم يعد يسبب الإزعاج الكافي لقلقها الأمني.
الخطايا في هذا الاتفاق أكثر من عشر، غير أن عشراً منها تكفي لفهم حجم السقوط. نحن لا نتحدث عن خطأ في بند، ولا عن ركاكة في صياغة، ولا عن ملحق أمني كان يمكن تحسينه ببعض المفردات، وإنما عن سقوط طريقة كاملة في التفكير بالدولة والوطن والمصلحة الوطنية.
تتعامل السلطة السياسية في لبنان مع الوطن على أنّه ملف أمني على طاولة أميركية
هذه الطريقة تريد إقناع اللبنانيين بأن الاحتلال إذا لبس اسم «إعادة الانتشار» صار أقل احتلالاً، وأن التنازل إذا جرى في واشنطن صار سياسة مسؤولة، وأن نزع عناصر قوة لبنان قبل خروج العدو من أرضه هو الطريق الأقصر إلى الدولة. أما التجربة اللبنانية كلها فتقول العكس: الاحتلال لا يخرج حين تكون السلطة مهذبة، وإنما يخرج حين يعرف أن كلفة بقائه أعلى من قدرته على الاحتمال.
الخطيئة الأولى
السلطة قبلت بقلب موقع لبنان من صاحب حق إلى متهم عليه أن يثبت براءته. المنطق الطبيعي في أي وطن يحترم نفسه يبدأ من سؤال بسيط: متى يخرج الاحتلال من الأرض؟ أما هنا، فقد صار السؤال بكثير من الوقاحة الدبلوماسية: متى تطمئن إسرائيل إلى أن لبنان صار مؤهلا لانسحابها؟ بين السؤالين تقيم المسافة كلها بين وطن يدافع عن حقه وسلطة تستجدي حقها من عدوها، وبين دولة ترى الاحتلال جريمة يجب إنهاؤها وإدارة محلية تتصرف معه كحالة أمنية تحتاج إلى طمأنة وتنظيم ومراجعة.
الخطيئة الثانية
الاتفاق لا يضع الانسحاب الإسرائيلي في موقع الالتزام الواضح، وإنما يحوله إلى نتيجة مشروطة بسلسلة طويلة من الاختبارات الأمنية. يظهر لبنان في النص كطرف مطالب بالتنفيذ والتحقق والتطهير ونزع السلاح، فيما تحتفظ إسرائيل بحق الانتظار والتقييم وإعادة التموضع والبقاء إذا لم تحصل على ما يكفي من الطمأنينة. يا له من ميزان عادل: صاحب الأرض يقدم الفروض المطلوبة، والمحتل يجلس في موقع الأستاذ الذي يقرر إن كان التلميذ اللبناني قد صار جاهزاً لنيل جزء من سيادته بالتقسيط.
الخطيئة الثالثة
الاتفاق لا يكتفي بتطبيع الخضوع سياسياً، وإنما يبدأ بتطبيعه لغوياً. يغيب مصطلح «الانسحاب» وتحضر عبارات أكثر نعومة مثل «إعادة الانتشار وإعادة التموضع وخفض الوجود»، وكأن المشكلة في الاسم الذي يطلق على الاحتلال لا في الاحتلال نفسه. هذه ليست براعة تفاوضية، إنها محاولة لتطهير الاحتلال في اللغة قبل تثبيته في الواقع. الدبابة التي لا تغادر الأرض لا تصبح أقل احتلالاً إذا قيل إنها أعادت ترتيب موقعها، والجندي الإسرائيلي الذي يبقى في الجنوب لا يتحول إلى جار قلق لمجرد أن السلطة استعانت بقاموس أقل إحراجاً من قاموس السيادة. في النهاية، الاحتلال لا يتغير حين نبدل اسمه، لكنه يصبح أخطر حين ينجح في انتزاع اسمه من أفواه من يفترض أنهم يفاوضون على إنهائه.
الخطيئة الرابعة
الجنوب، بأهله وقراه وذاكرته ودمه، جرى التعامل معه كمساحة اختبار لا كجزء من وطن. الحديث عن «مناطق تجريبية» لا ينتمي إلى قاموس السيادة، وإنما إلى قاموس المختبرات الأمنية. في هذا المنطق، لا تعود القرية إلى أهلها بحكم كونها أرضاً لبنانية، وإنما بعد اجتياز امتحان أمني. والنازح لا يعود بصفته صاحب حق، وإنما ينتظر نجاح النموذج. والإعمار لا يبدأ من واجب وقف العدوان ومحو آثاره، وإنما يتحول إلى مكافأة محتملة إذا اطمأن العدو إلى أن الأرض التي دمرها لم تعد تقلقه. هكذا يصبح الجنوب مشروعاً تجريبياً، ويصبح أهله عالقين بين ركام بيوتهم وتقارير التحقق.
الخطيئة الخامسة
السلطة تريد من الجيش اللبناني أن يدخل موقعاً ملتبساً وخطيراً، لا تقدمه بوصفه جيشاً وطنياً جامعاً في مواجهة الاحتلال، وإنما بوصفه أداة تنفيذ داخل مسار صيغت شروطه على قياس الأمن الإسرائيلي. وهذه من أكبر الإساءات التي يمكن توجيهها إلى الجيش باسم الدولة. الجيش يقوى حين يحمي الأرض والشعب ويحافظ على وحدته الوطنية، لا حين يزج في اختبار داخلي قد يحوله من مؤسسة جامعة إلى مادة في هندسة فتنة يعرف الإسرائيلي -قبل غيره- أنها الباب الأسهل لإبقاء الاحتلال تحت عنوان العجز اللبناني. ومن يزعم أنه يحمي الجيش عبر وضعه في هذا الموضع، يشبه من يحمي البيت بإشعال النار في أساساته.
الخطيئة السادسة
الاتفاق يضع المقاومة في خانة المشكلة، بينما يتعامل مع الاحتلال كطرف يحتاج إلى ضمانات. هذه مفارقة لا تحتاج إلى شرح طويل، بل إلى قدر قليل من الحياء الوطني. فالمقاومة في بلد تحتل إسرائيل جزءاً من أرضه وتعلن أنها لن تغادر قبل زوال ما تسميه الخطر، ليست ترفاً خطابياً ولا فائضاً عن الحاجة، وإنما جزء من معادلة المصلحة الوطنية. هي تقول للعدو إن لبنان ليس عارياً، وإن العدوان ليس نزهة، وإن البقاء في الأرض سيبقى مكلفاً مهما حاولت السلطة تغليفه بمفردات ناعمة. ومن يطلب نزع عناصر الردع قبل زوال الاحتلال، لا يبني دولة قوية، وإنما يبني دولة مكشوفة.
الخطيئة السابعة
السلطة تخلط عن عمد أو عن عجز بين الدولة والوطن، وبين الموقع العابر والحق الدائم. الدولة ليست توقيع سلطة مؤقتة على نص يمس مصير وطن دائم، والوطن ليس ملكاً لرئيس أو حكومة أو وفد تفاوضي أو سفير يوقع باسم اللبنانيين تحت ضغط خارجي. الوطن في الدستور والوجدان والدم المدفوع على أرضه، أكبر من السلطة وأبقى منها. لذلك لا يحق لمن يعبرون فوق الكراسي أن يقرروا مصير من يبقون في القرى والحدود. السلطة قد تضعف أو تجبن قد تخطئ قد تخضع، أما الوطن فلا يحق لها أن تصحبه معها إلى ضعفها وخطئها وخضوعها.
الخطيئة الثامنة
الاتفاق يفتح الباب أمام فتنة داخلية ثم يطلب من الناس أن يصفقوا له باسم الاستقرار. الاستقرار الذي يقوم على تنفيذ شروط العدو داخل المجتمع اللبناني ليس استقراراً، وإنما تأجيل منظم للانفجار. وحين تقول وسائل إسرائيلية إن شروط الاتفاق صعبة التنفيذ وقد توفر غطاء لاستمرار العمليات أو الإبقاء على منطقة أمنية، فذلك ليس تحليلا معاديا للاتفاق، وإنما شهادة من داخل العقل الإسرائيلي نفسه على أن المطلوب ليس إنهاء الحرب، وإنما نقل كلفتها السياسية والأمنية إلى الداخل اللبناني. هكذا يربح الاحتلال مرتين: إذا نفذت الشروط وقع الانقسام، وإذا تعذر تنفيذها بقي الاحتلال بحجة فشل لبنان.
الخطيئة التاسعة
السلطة أخرجت لبنان من موقعه القانوني والسيادي، أو كادت تفعل، عندما تعاملت مع الاحتلال كحالة يمكن تنظيمها لا كعدوان يجب إنهاؤه. القانون الدولي لا يمنح المحتل حقا في الأرض، والدستور اللبناني لا يسمح بالتخلي عن أي جزء من الأراضي اللبنانية، والسيادة ليست ملكاً لحكومة عابرة ولا لفريق تفاوضي عابر. فإذا كانت الأرض لا تسقط قانونياً تحت الاحتلال، فبأي حق سياسي أو أخلاقي يجري تحويل وجود العدو إلى مسار مراقبة ومراجعة وتنسيق؟ وأي منطق هذا الذي يختصر المشكلة في عدم ارتياح الاحتلال لا في وجوده أصلاً؟
الخطيئة العاشرة
الاتفاق يبيع اللبنانيين وهما اسمه «الدولة»، فيما يقترح عليهم فعلياً دولة منزوعة القدرة، منزوعة الردع، معلقةً على رضا الخارج، ومطالبة بأن تثبت للعدو أنها لا تشكل خطرا عليه. هذه ليست دولة، وإنما نسخة محلية من إدارة أمنية تعمل تحت عين الوسيط الأميركي وابتسامة الإسرائيلي. الدولة الحقيقية تحمي شعبها من العدو، لا قلق العدو من شعبها. الدولة الحقيقية تجعل الجيش والمقاومة والسياسة في خدمة المصلحة الوطنية، لا في خدمة مسار يطلب من لبنان أن يغادر عناصر قوته قبل أن يغادر الاحتلال أرضه.
من يطلب نزع عناصر الردع قبل زوال الاحتلال، لا يبني دولة قوية، وإنما يبني دولة مكشوفة
إن خيار الوطن هنا واضح، مهما حاولت السلطة إغراقه في الضباب. هو الانسحاب الكامل، ووقف العدوان، وعودة الناس، وحماية الجيش من الفتنة، والتمسك بحق لبنان في الدفاع عن أرضه، والإقرار بأن المقاومة، ما دام الاحتلال قائماً والتهديد مستمراً، ليست نقيضاً للدولة، وإنما جزء من ميزان القوة الذي يمنع الدولة من التحول إلى طلب استرحام. أما خيار السلطة المؤقتة فهو ترجمة قلق إسرائيل إلى سياسة لبنانية، وتسمية الخضوع واقعية، وتسمية الاحتلال إعادة انتشار، وتضع وطناً دائماً على طاولة اتفاق صيغ كي يطمئن العدو أكثر مما يطمئن اللبناني.
لا يحتاج هذا الاتفاق إلى تجميل، ولا إلى مفردات أقل فجاجة، ولا إلى حملة علاقات عامة تقول للبنانيين إن الألم لمصلحتهم. يحتاج إلى إسقاط سياسي ووطني هادئ وحاسم. الخطر ليس في رفضه وإنما في تنفيذه. الخطر ليس في اعتراض اللبنانيين عليه، وإنما في تحويله إلى مسار يجعل الجيش في مواجهة شعبه، والمقاومة في مواجهة الدولة، والدولة في خدمة الأمن الإسرائيلي. عندها لا نكون أمام اتفاق إطار، وإنما أمام إطار لسقوط السلطة نفسها، سلطة وضعت المؤقت فوق الدائم، والكرسي فوق الوطن، ورضا الاحتلال فوق المصلحة الوطنية.
الخلاصة
السلطة تستطيع أن تكتب ما تشاء من عبارات عن الاستقرار والازدهار والآليات والضمانات، غير أن الحقيقة لا تحتاج إلى مترجم: حين تبقى إسرائيل في لبنان فهذا احتلال، وحين تشترط إسرائيل على لبنان فهذا إذعان، وحين توقع سلطة مؤقتة على ما يمس وطنا دائما، فهذا ليس اتفاقا باسم الدولة، وإنما سقوط سياسي وأخلاقي باسم الدولة ضد الوطن.
الصورة : لم تقدم الدولة حتى الآن حلاً للجنوبيين المدمرة بيوتهم حول كيفية إعادة الإعمار (مروان بو حيدر)
الصورة : أحياء دمرها القصف الإسرائيلي المعادي جنوب لبنان (مروان بو حيدر)

