
كتبت صحيفة "الجمهورية": الحدث في باريس، حيث ينعقد المؤتمر التحضيري لدعم الجيش، الذي يؤمل ألّا يكون محطة جديدة عابرة، وتكراراً مستنسخاً لمحطات مشابهة له طفحت بوعود بلا تطبيق، بل محطة نوعية تشكّل اختباراً للدول الصديقة، في التأسيس لخطوات ومبادرات ملموسة بلا تعقيدات أو عقبات أو تحفظات، توفّر للجيش، وبصورة عاجلة، ما يحتاجه من قدرات وإمكانات تمكّنه من التصدّي للمهمّات الكبرى الملقاة على عاتقه، ولاسيما حفظ الأمن والاستقرار وحماية سيادة لبنان وبسط سيادة الدولة وحدها على كامل الأراضي اللبنانية.
على الخط الداخلي، تتزايد سخونة الجبهة الأمنية مع تفاقم العمليات العدوانية الإسرائيلية، واستهداف قرى وبلدات الجنوب بالقصف والتدمير والإحراق والتجريف، بالتزامن مع إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي بأنّ الجيش الإسرائيلي مصمّم على تجريد المنطقة الواقعة جنوب الليطاني من الوجود العسكري لـ«حزب الله».
وأما على الجبهة السياسية، فجلسة المناقشة النيابية العامة للحكومة، التي استمرت على مدى اليومين الماضيين، كادت تخلو من جملة مفيدة، بل جاءت انعكاساً واضحاً للبلد كما هو، بأبشع صور الانقسام والافتراق الداخلي السياسي وغير السياسي، والحقد المتبادل بين مَن يُفترض انّها مكونات تعمل للبلد وللصالح العام. هذا الانحدار بما استُعرض فيه من مزايدات، وتهريج، ورؤى متصادمة، وعداوات لا قعر لها، وشتائم وإهانات «وقلّة أدب وقلّة أخلاق»، استحق جملة قاسية من رئيس مجلس النواب نبيه بري، بثلاث كلمات، تعليقاً على مجرياته المهينة سياسياً ووطنياً وأخلاقياً: «يا عيب الشوم». وصاغ في الوقت نفسه سؤالاً، بالتأكيد انّه يتردّد على ألسنة الأغلبية الساحقة من اللبنانيين: كيف يمكن ان يُبنى بلد، بل أي مصير للبلد وأي مستقبل له مع مكونات سياسية ونيابية من هذا النوع؟
مؤتمر باريس
تنظّم فرنسا اليوم تظاهرة دولية دعماً للبنان، عبر المؤتمر التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي الذي ينعقد بمبادرة منها في العاصمة الفرنسية، ويشارك فيه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى جانب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وملك الاردن عبدالله الثاني، ووفود من عدد كبير من الدول الاوروبية (ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا، إيرلندا، وبعثة تمثل الاتحاد الأوروبي)، ووفود عربية (السعودية، مصر، الكويت، دولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر)، ووفود دولية على رأسها الولايات المتحدة، وتضمّ (كندا وتركيا وباكستان). إضافة إلى بعثة تمثل الأمم المتحدة، ربطاً بالملف الأساس المتعلق بانتهاء مهمّة «اليونيفيل» الحالية نهاية العام الجاري في جنوب لبنان، والبحث الجاري حول توفّر البديل عنها، الذي يضمن عدم خلو جنوب لبنان من أي حضور دولي.
والغاية من هذا المؤتمر، وفق مصادر متابعة، هي تقييم المتطلبات للمؤسسة العسكرية وسائر القوى الأمنية اللبنانية وحشد وتنسيق الدعم الدولي والمالي والميداني بشكل مستدام، لتعزيز قدرة الجيش على بسط سلطته.
وفيما أعدّ لبنان جدولاً بحاجات الجيش والقوى الأمنية، لفتت المصادر عينها إلى انّه «لا يُنتظر من هذا المؤتمر إقرارٌ لمساعدات، الّا انّ أهمية هذا المؤتمر تتجلّى في كونه يمهّد لتوفير دعم للجيش في المدى القريب، ولوضع الآلية التطبيقية لذلك، لاسيما وانّ الدول المشاركة تتقاطع جميعها على ضرورة توفير المساعدات للجيش والمؤسسات الأمنية اللبنانية، لتمكينها من القيام بمهامها كاملة لجهة حفظ الاستقرار في الساحة اللبنانية الداخلية بصورة عامة وجنوب لبنان بصورة خاصة».
عون
وقد وصل الرئيس عون إلى باريس أمس، وفور وصوله إلى مطار لوبورجيه، أعرب عن تقديره العميق لفرنسا، رئيساً وحكومة وشعباً، على مواصلة دعمها للبنان ومؤسساته الدستورية والعسكرية والأمنية، مؤكّداً أنّ «هذه الشراكة التاريخية بين البلدين، تكتسب اليوم أهمية استثنائية في ظل التحدّيات التي يواجهها لبنان».
وشدّد على أنّ الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي يشكّلان، مع الأجهزة الامنية الأخرى، الضمانة الوحيدة لحماية الوطن وسيادته وأمن مواطنيه، وأنّ تعزيز قدراتهما البشرية واللوجستية بات أولوية وطنية قصوى تتطلّب تضافر الجهود الدولية الصديقة للبنان.
ولفت إلى أنّ مشاركته في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي تندرج في إطار التزام الدولة اللبنانية ببسط سلطتها وحصر السلاح بيد الشرعية، وبناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها وصون استقرار المنطقة.
ورداً على سؤال حول موقف لبنان من محاولة استهداف مكة المكرمة، أدان الرئيس عون استهداف مكّة المكرمة، داعياً الى موقف عربي وإسلامي موحّد، يضع حداً لمثل هذه الممارسات التي تهدّد أمن المنطقة واستقرارها.
وقبل مغادرته إلى باريس قال عون في حديث إلى وكالة «فرانس برس»، «إنّ لبنان يسعى إلى التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، من شأنه أن يُنهي حالة العداء». وأكّد أنّ «الدولة عازمة على حصر السلاح بيدها»، مشدّداً في الوقت نفسه على «ضرورة تحقيق ذلك من دون الدخول في صدام داخلي». وأشار إلى أنّ «لبنان يريد إيجاد قوة بديلة لقوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان «اليونيفيل»، تجنّباً لأي فراغ بعد انتهاء ولايتها». وقال: «الأهمّ ألّا يحصل فراغ، وأي قوة تأتي تحت أي مسمّى، ينبغي أن يوضع لها إطار قانوني، والمبدأ الأساسي بالإطار القانوني هو سيادة الدولة»، مضيفاً أنّ «الهدف من وجود قوة في جنوب لبنان، هو أن تساعد الجيش وتقوّي الدولة، لا أن تحلّ محلّ الدولة».
تقدير ديبلوماسي
في سياق متصل، كشف تقدير ديبلوماسي غربي، انّ الاتصالات المرتبطة بمهمّة «اليونيفيل» وانتهاء فترة تفويضها آخر السنة الجارية، تشوبها تعقيدات. مشيرة في هذا السياق إلى «المعارضة الشديدة لبقاء هذه القوات من قبل إسرائيل، التي تعتبر انّ هذه القوات قد فشلت في مهامها»، وإلى «الموقف الأميركي الذي كان الدافع الأساس في جلسة التمديد السابقة في آب 2025 إلى إنهاء مهمّة «اليونيفيل». واعلنت آنذاك الولايات المتحدة تخفيض تمويل اليونيفيل باعتباره هدراً للمال».
ووفق التقدير الديبلوماسي، فإنّه على الرغم من أنّ الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً حتى الآن في دائرة رفض تمديد فترة انتداب «اليونيفيل»، إلّا انّ الأمور قد لا تبدو مقفلة بالكامل، حيث مجال النقاش حول هذا الامر ما زال قائماً، ومعظم أعضاء مجلس الأمن الدولي يدعمون طلب لبنان تمديد مهمّة «اليونيفيل». على انّ التقدير الديبلوماسي عينه لا يستبعد بروز تطور إيجابي في وقت لاحق من فترة الأشهر الثلاثة الفاصلة عن انتهاء مهمّة «اليونيفيل»، وذلك ربطاً بالنقاشات التي جرت في الامم المتحدة، وبين بعض الدول، والتي أوحت وكأنّ واشنطن، وبناءً على التطورات العسكرية التي برزت بعد الحرب الأخيرة في جنوب لبنان، بدأت تدرك ضرورة استمرار عمل «اليونيفيل»، في بعض مهامها. ولا يملك التقدير الديبلوماسي توضيحات إضافية إزاء هذا الامر.
جلسة السقوط
وكان المجلس النيابي قد استأنف أمس جلسة المناقشة العامة للحكومة، وشهدت في جولتيها النهارية والمسائية سجالات حادة بين نواب «حزب الله»، ونواب «القوات اللبنانية» و«الكتائب» والتغييريين، إلى جانب سجالات مماثلة بين نواب «التيار الوطني الحر»، ونواب من «القوات» وآخرين من الخط التغييري، إضافة إلى مجادلات وتنميرات بين اتجاهات نيابية مختلفة. والنتيجة الموضوعية لهذه الجلسة، انّها كانت جلسة «السقوط المدّوي» لمكونات سياسية، في بلد مهدّد بحاضره ومستقبله، فيما هي لا تتقن سوى التلّهي بالصغائر والمزايدات وبناء متاريس المواجهة والاشتباك، ولا ترقى ولو إلى الحدّ الأدنى من المسؤولية الوطنية التي تتطلّبها ظروف البلد وما يلوح في أفقه من تعقيدات وتحدّيات صعبة على كل المستويات.
وفي ردّه على مداخلات النواب في ختام الجلسة قال رئيس الحكومة نواف سلام: «المواطن المُطالب بوجود الدولة محق في مطلبه، والشاكي من غياب الدولة محق في شكواه. والحكومة تعي أنّ عدداً من التوقعات ارتفعت عند تأليفها، لكنها اصطدمت بالواقع الصعب، والذي زادته الحرب صعوبة. وطبعاً سنعمل كل ما بوسعنا لكي لا يتحول الاعتراف بالصعوبات التي تحيط بعملنا إلى خيبات».
وأشار إلى انّ «الإتفاق الإطاري يتضمن انسحاباً إسرائيلياً على مراحل. كما يدعو إلى بسط سيادة الدولة اللبنانية دون سواها على أراضيها، وقيل إنّ هذا المسار أبعد لبنان عن مرجعياته وثوابته وهذا غير صحيح».
وقال: «أن نزجّ البلاد مرّةً بعد مرّة في حروب لم نخترها، بل حذّرنا من عواقبها، ثم نحمّل الدولة مسؤولية النتائج عندما تحاول إخراج لبنان منها، فهذا ليس بديلاً مقنعاً عن خيار الديبلوماسية والتفاوض الذي اعتمدناه، ومن لديه طريق آخر يوقف الاعتداءات ويعيد الأسرى ويعيد أهلنا إلى قراهم بكلفة أقل على لبنان واللبنانيين، فنحن معه شرط ان يدلّنا إليه».
وفي ما خصّ «انتهاء ولاية «اليونيفيل» قال: «نعمل جاهدين مع شركائنا من أجل ضمان استمرار حضور دولي فاعل في الجنوب بعد انتهاء هذه الولاية».
وفي نهاية الجلسة تمّ التصويت على الثقة بالحكومة، فنالت 68 صوتاً مقابل 12 حجبوها وامتناع نائبين عن التصويت.
