
المحامي سعيد بوعقل
ليس كل استحقاق انتخابي معركة سياسية، وليس كل صندوق اقتراع ساحة لإثبات الأحجام والنفوذ.
فثمة مؤسسات وجدت أصلاً لتكون خارج الصراع السياسي، لأنها لا تستطيع أن تؤدي دورها إذا تحولت إلى امتداد له. واتحاد بلديات منطقة جزين هو، قبل أي شيء آخر، مؤسسة إنمائية يفترض أن تجمع البلديات حول مصالح المنطقة ومشاريعها، لا أن تقسمها حول الاصطفافات الحزبية والسياسية.
واليوم، يجد الاتحاد نفسه مجدداً أمام استحقاق انتخاب رئيس ونائب رئيس، بعدما أصدر مجلس شورى الدولة في 22 أيلول 2026 قراره النهائي بإبطال جلسة الانتخاب السابقة ومحضري انتخاب الرئيس ونائبه، لتعود الأمور عملياً إلى نقطة البداية.
وهذه العودة يجب ألا تكون مجرد مناسبة لإعادة الانتخاب، بل فرصة لمراجعة التجربة واستخلاص العبرة منها.
فالانتخابات السابقة جرت في مناخ سياسي واضح، وانتهت بفوز رئيس بلدية لبعا على رئيس بلدية جزين بفارق صوت واحد. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم لا يتعلق بالأشخاص، ولا بمن ربح ومن خسر، بل بما إذا كانت التجربة التي أعقبت ذلك قد أنتجت اتحاداً قادراً على العمل والإنجاز وجمع مكوناته حول مشروع إنمائي واحد.
إن الديمقراطية واجبة الاحترام، وصندوق الاقتراع هو الوسيلة الطبيعية لاختيار المسؤولين. لكن الديمقراطية في المؤسسات الإنمائية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد حساب للأصوات منفصل عن طبيعة المؤسسة التي ننتخب قيادتها.
فاتحاد البلديات ليس برلماناً مصغراً، ورئيسه ليس زعيماً سياسياً للمنطقة. إنه مسؤول عن إدارة مؤسسة تضم بلديات متفاوتة جداً في أحجامها وإمكاناتها ومساهماتها وحاجاتها، ولذلك فإن نجاحه يحتاج، إلى جانب الأكثرية التي تنتخبه، إلى القدرة على جمع هذه البلديات وإدارة التوازن بينها وتأمين تعاون البلديات الأساسية التي يقوم عليها جزء كبير من عمل الاتحاد وإمكاناته.
ومن هنا، فإن السؤال ليس: من يستطيع جمع العدد الأكبر من الأصوات يوم الانتخاب؟
بل: من يستطيع في اليوم التالي للانتخاب أن يجعل الاتحاد يعمل؟
وهذا فارق جوهري.
فقد تستطيع السياسة أن تجمع أكثرية لساعة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تصنع إدارة ناجحة لسنوات.
ولمن يريد العودة إلى التجربة، فإن تاريخ الاتحاد نفسه يقدم نموذجاً يستحق التأمل. فعندما انطلق اتحاد بلديات منطقة جزين سنة 2006، تولى رئيس بلدية جزين رئاسته، فيما تولى رئيس بلدية بكاسين نيابة الرئاسة، في صيغة قامت يومها على قدر كبير من التوافق بين بلديات المنطقة.
ولم يكن النجاح يومها في الأسماء بقدر ما كان في طبيعة المعادلة: تعاون بين البلديات الأساسية، وانسجام داخل الاتحاد، وشعور بأن المؤسسة ليست ملكاً لفريق في مواجهة فريق آخر.
وهكذا استطاع الاتحاد أن يتحول إلى مساحة للعمل المشترك وأن ينفذ مشاريع بقي الكثير منها في خدمة أبناء المنطقة سنوات طويلة.
أما عندما تدخل السياسة الحزبية إلى المؤسسة البلدية بمنطق الربح والخسارة، فغالباً ما تكون النتيجة أن يربح فريق الانتخابات ويخسر الجميع الاتحاد.
واليوم، مع إعادة فتح باب الاستحقاق، تسمع أسماء وتطرح خيارات وتتحرك اتصالات، وهذا أمر طبيعي في أي عملية انتخابية. لكن ما يجب ألا يكون طبيعياً هو أن تعاد التجربة نفسها بالمنطق نفسه، ثم ننتظر منها نتيجة مختلفة.
لا مصلحة لجزين في أن تصبح رئاسة اتحاد بلدياتها جزءاً من مواجهة بين حزبين، أو مناسبة لإثبات نفوذ مرجعية سياسية، أو رسالة يراد توجيهها من فريق إلى آخر.
ولا مصلحة لها أيضاً في أن يصبح اختيار الرئيس مناسبة لكسر بلدية أو إضعاف أخرى.
فالبلديات الصغيرة ليست أقل شأناً من البلديات الكبيرة، ولكل بلدة حق كامل في أن تكون شريكاً في القرار وفي المشاريع والإنماء. لكن المساواة في الكرامة والحقوق لا تعني تجاهل الفوارق الموضوعية في المسؤوليات والأعباء والإمكانات.
وهنا تكمن الحكمة التي ينبغي أن تحكم الاستحقاق المقبل.
إن جزين، بوصفها مركز القضاء وإحدى الركائز الأساسية في الاتحاد، لا يمكن أن تكون على هامش القرار فيه، تماماً كما لا يجوز لجزين أن تتعامل مع بلديات المنطقة وكأنها مجرد أرقام تكمل نصاباً أو أكثرية.
المطلوب إذاً ليس انتصار بلدية على بلدية، بل صيغة تجعل الجميع شركاء، وتضع البلديات الأساسية في موقع يمكنها من تحمل مسؤولياتها، وتحفظ في الوقت نفسه لكل بلديات المنطقة حضورها وحقوقها ودورها.
ومن هنا، فإن أفضل ما يمكن أن يحصل اليوم هو أن يسبق الانتخاب تفاهم بلدي واسع يعيد الاتحاد إلى طبيعته الأصلية: مؤسسة إنمائية، لا ساحة سياسية.
أما إذا دخلنا الاستحقاق الجديد بمنطق الأحلاف الحزبية وتبادل الأصوات وإسقاط هذا المرشح لإيصال ذاك، فقد نحصل مجدداً على رئيس منتخب ديمقراطياً، لكننا قد نستيقظ في اليوم التالي أمام اتحاد عاجز عن العمل.
وهنا تصبح الديمقراطية، التي يفترض أن تكون وسيلة لحسن إدارة المؤسسة، أسيرة غاية سياسية لا علاقة لها بالإنماء.
لقد منح قرار مجلس شورى الدولة اتحاد بلديات منطقة جزين فرصة جديدة.
فلا تجعلوا منها فرصة لإعادة المعركة القديمة بأسماء جديدة.
ولتجلس البلديات إلى بعضها، بعيداً عن الاصطفافات والمرجعيات، وتسأل سؤالاً واحداً:
ما هي الصيغة التي تجعل اتحاد بلديات منطقة جزين قادراً على العمل والإنجاز طوال السنوات المقبلة؟
عندها فقط يكون الانتخاب في خدمة الاتحاد، والاتحاد في خدمة المنطقة.
أما أن نعيد إنتاج المعادلات نفسها التي قادت إلى التعطيل، ثم نغيّر الأسماء وننتظر نتيجة مختلفة، فذلك ليس ديمقراطية ناجحة ولا إدارة رشيدة.
جزين اليوم لا تحتاج إلى غالب ومغلوب داخل اتحاد بلدياتها.
تحتاج إلى اتحاد يستطيع أن يعمل
