
كتب سميح صعب في "موقع 180 بوست" التالي : على عكس ولايته الأولى، يحيط الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في ولايته الثانية بالموالين له، ويخلو البيت الأبيض ممن أطلق عليهم سابقاً لقب "الراشدين". ومع ذلك، لا يستمع ترامب في نهاية المطاف إلا لنفسه، عند اتخاذ القرارات الخطيرة، خصوصاً تلك المتعلقة بالسياسة الخارجية.
يشهد على ذلك، السرعة التي بدّل فيها ترامب موقفه إزاء الاحتجاجات التي جرت مؤخراً في إيران. فهو وعد المتظاهرين بأن “المساعدة الأميركية في الطريق إليهم”.
لكن بعد أسبوعين من هذا الوعد، تبين أن المساعدة الأميركية التي تتخذ الآن حشداً عسكرياً كبيراً لها مهمة أخرى، وهي حمل النظام في إيران، ليس لتلبية طلبات المحتجين، وإنما لحمله على العودة إلى طاولة الحوار للقبول بثلاثة شروط: موافقة إيران على عدم تخصيب اليورانيوم على أراضيها وتسليم ما تملكه من مواد مخصبة لطرف ثالث؛ الحد من قدراتها الصاروخية، ووقف الدعم الذي تقدمه لحلفائها الإقليميين. ما شجّع ترامب على طرح الشروط الثلاثة، هي تقارير الاستخبارات الأميركية التي تفترض أن النظام في إيران اليوم، هو في “أضعف حالاته”. وذلك، نتيجة الاحتجاجات الأوسع نطاقاً من سابقاتها في 2009 و2019 و2022.
ويضاف إلى ذلك، الخسائر التي تكبّدتها إيران في حرب الـ12 يوما التي شنّتها إسرائيل عليها في حزيران/يونيو 2025، والقصف الأميركي للمنشآت النووية الإيرانية، فوردو ونطنز وأصفهان، فضلاً عن الضربات التي تلقتها “أذرع” طهران في المنطقة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
والأخطر من كل ذلك، هو تدهور العملة الإيرانية في أواخر 2025 إلى مستويات غير مسبوقة في مقابل الدولار الأميركي. وهذا كان أحد أسباب اندلاع الاحتجاجات الأخيرة. يبني ترامب على هذه اللحظة العصيبة التي تمر بها إيران، ليضع طهران أمام خيارين لا ثالث لهما: العودة إلى الحوار والقبول بالشروط الأميركية، أو مواجهة هجوم “أسوأ بكثير” مما تعرضت له في حزيران/يونيو الماضي، مع كل ما يطرح من سيناريوات تبدأ بخيارات قصوى، من مثل استهداف القيادة بشخص المرشد آية الله علي خامنئي، ونزولاً إلى توجيه ضربات للحرس الثوري باعتباره الحامي للنظام، واللعب على ورقة التفريق بين الحرس والجيش، أو قصف المنشآت النفطية بهدف تعميق الأزمة الاقتصادية، أو شن هجمات سيبرانية ضد البنى والمؤسسات الإيرانية.
ومع ذلك، من المشكوك فيه أن يؤدي أي السيناريوات المطروحة، حتماً إلى اسقاط النظام أو إحداث تغيير جذري في سلوكه. ويرى مدير برنامج إيران لدى “مجموعة الأزمات الدولية” علي فائز، أن النظام يعتقد أن القبول بالشروط الأميركية يعتبر “أكثر خطورة من المواجهة العسكرية” مع الولايات المتحدة. ها هنا يقترح وزير الخارجية التركي حقان فيدان، الذي دخلت بلاده على خط الوساطة، أن تجزىء أميركا شروطها، على أن تبدأ بالنووي ووقف الإعدامات ومن ثم يصار في مراحل لاحقة إلى البحث في الشرطين الآخرين (الصواريخ والنفوذ الإقليمي)، كي لا تشعر طهران بالتعرض لـ”الإذلال” في حال الإصرار على صفقة شاملة. وقد تكون “الجبهة النووية”، هي المجال الذي قد تبدي فيه إيران مرونة، وفق ما يفترض علي فائزي.
وليس بعيداً عن هذا الافتراض، ما يقوله الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حميد رضا عزيزي لمجلة “نيوزويك” الأميركية، من أن المسؤولين الإيرانيين “يأخذون احتمال نشوب حرب وشيكة أو حملة عسكرية من جانب الولايات المتحدة على محمل الجد، لكنهم في الوقت نفسه يحاولون معرفة ما إذا كان من الممكن أن تكون هناك طريقة لتأخير ذلك”. وفي السياق نفسه تحركت قطر بشخص رئيس حكومتها وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي زار طهران، أمس (السبت) بشكل مفاجىء ونقل رسالة إلى القيادة الإيرانية، لم يفصح عن مضمونها، لكن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني غرّد بعد ساعات من لقائه رئيس حكومة قطر إنه بعكس أجواء الحرب، هناك تقدم نحو تشكيل إطار للمفاوضات مع واشنطن.
هذا الأمر عكسه ترامب نفسه في تصريحات لـ”فوكس نيوز”، مساء أمس (السبت) عندما قال إن إيران دخلت في مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن واشنطن تترقب نتائج هذه المحادثات “لنرى ما إذا كان بإمكاننا فعل شيء، وإلا فسنرى ما سيحدث”، مجدداً الجزم بأن الولايات المتحدة قضة على برنامج إيران النووي، رافضا البوح بخططه العسكرية، وقال إن الولايات المتحدة لا يمكنها إطلاع حلفائها في الخليج على خطتها إزاء إيران. وتزامنت تصريحات ترامب مع وجود وفد سعودي برئاسة وزير الدفاع خالد بن سلمان، ناقش مع المسؤولين الأميركيين الخيارات الأميركية ومواقف دول الخليج. حتى أن موسكو التي استقبلت علي لاريجاني هذا الأسبوع، دخلت على خط الوساطة، ولا سيما في ظل ما يتردد عن تجديد الاقتراح الروسي الداعي إلى نقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى الأراضي الروسية، فيما ذهب البعض إلى حد الدعوة إلى وقف تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية وأن تكون روسيا إحدى الدول الضامنة التي تتولى التخصيب، تحت سقف محدد، لمصلحة إيران وذلك تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية...
والرُّقـْيةُ الأميركية وحسب وجهة نظر مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز “تشاتام هاوس” بلندن سنام وكيل، فإن ترامب، “يشتم رائحة ضعف النظام” الإيراني، وتقول لصحيفة “النيويورك تايمز” الأميركية، إن ترامب “يرى إنه إذا لم يتحرك الآن، من طريق الضغط أو الضربة العسكرية، فسوف يُفوّت لحظة مهمة”.
لكن هل ما أتيح لترامب في فنزويلا متاح في إيران. أي إحداث أقصى تأثير بضربة خاطفة، على غرار تحييد رأس النظام من دون اسقاطه، ومن ثم فتح قنوات التعامل معه؟ في هذا السياق، أوردت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية أن أحد السيناريوات المخففة يتمثل بتوجيه “ضربات رمزية، إلى الحرس الثوري، مما يسمح لترامب بالقول إنه طبق خطه الأحمر، من دون زعزعة قبضة النظام على السلطة”.
إلى الآن، ظروف نجاح الضربة الخاطفة غير متوافرة. والحكومة الإيرانية تبدي انفتاحاً على الحوار، وتحذر في الوقت نفسه، من أن أي عمل عسكري أميركي مهما كان محدوداً، سيواجه برد يطاول إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة. وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، أن إيران ما تزال تملك 2000 صاروخ متوسط المدى، قادرة على بلوغ إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة، عدا عن أعداد من الصواريخ قصيرة المدى وزوارق الطوربيد والمُسيّرات التي يمكن أن تستخدم في الرد على أي ضربة أميركية، وسط تلويح باللجوء إلى اغلاق مضيق هرمز، مع ما سيجره ذلك من انعكاسات على الاقتصادات العالمية وبينها الاقتصاد الأميركي نفسه.
وبكلام آخر، النتائج الباهرة التي يتوخى ترامب تحقيقها بضربة واحدة، ستسعى إيران في المقابل إلى جعلها حرباً شاملة ومكلفة. وقارب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التطورات بواقعية أكبر. إذ حذّر في شهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ، من أن آلاف الجنود الأميركيين في المنطقة “هم في مرمى المسيّرات والصواريخ الإيرانية”. كما أبدى حذراً في شأن احتمال حدوث تغيير في النظام.
وقال: “أنت تتحدث عن نظام موجود منذ فترة طويلة جداً.. لذا فإن هذا سيتطلب الكثير من التفكير المتأني، إذا ظهر هذا الاحتمال على الإطلاق”. وتحذر الخبيرة في الشؤون الإيرانية سوزان مالوني، التي تدير برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، من أن التهديدات الإيرانية يجب أن تؤخذ على محمل الجد. وقالت: “لا يمكن لأحد أن يفترض أن إيران لن ترد وربما ترد كما فعلت في شوارعها”.
ولفتت في الوقت عينه إلى أن ترامب “لا يريد الدخول في صراع طويل الأمد مع إيران”. وترامب نفسه، تراجع عن توجيه ضربة لإيران قبل أسبوعين في أوج الاحتجاجات، ليس لأن النظام أوقف اعدام 800 شخص وقتذاك، بل على الأرجح لأن القوات الأميركية الموجودة في المنطقة لم تكن تكفي لمواجهة رد انتقامي إيراني.
وطلبت إسرائيل أيضاً إرجاء الضربة. وبعدها، بدأ الحشد الأميركي عبر نقل حاملة الطائرات “إبراهام لينكولن” من بحر الصين إلى بحر العرب مع مجموعتها القتالية، إلى مدمرات ومقاتلات وأنظمة دفاع جوي مضادة للصواريخ. ومع تعاظم التعزيزات، تتصاعد نبرة التهديد لدى ترامب والتحذير من “نفاد الوقت”، ويقترب الشرق الأوسط خطوة أخرى من حافة الهاوية. ومعها تزداد المخاوف المشروعة من عواقب كارثية في حال نشوب الحرب، ومن احتمال تكرار السيناريو العراقي في إيران التي تبلغ مساحتها أربعة أضعاف مساحة العراق. وأكثر من يستشعر بالخطر الوشيك، هي دول الجوار، من الخليج إلى تركيا ومصر، ولذلك، تكثف هذه الدول اتصالاتها بواشنطن وإيران بحثاً عن مخرج ديبلوماسي يبعد الانفجار.
والمعادلة المرتسمة الآن، هي في رأي محرر الشؤون الدفاعية والأمنية في صحيفة “الغارديان” البريطانية دان صباغ كالآتي: “إذا كانت الخيارات العسكرية لإيران محدودة، فإن آمال البيت الأبيض بتحقيق ضربة قاضية فورية، ليست أفضل”.



