
كتبت صحيفة "الجمهورية": في انتظار جلاء الموقف بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والذي بدا يميل إلى المرونة في ظلّ التحضير لجولة المفاوضات المقرّرة خلال اليومين المقبلين، وعلى وقع المصير الغامض الذي بدأ يلف الاستحقاق النيابي، وتأكيد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون رفضه ما سمّاه بدعة التأجيل، ينشط التحضير للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني المقرّر في باريس في الخامس من الشهر المقبل. وكان اجتماع القاهرة أمس، الخطوة الما قبل الأخيرة في هذا الإتجاه. فيما بدأ البعض يثير شكوكاً في أن يأتي الدعم متدنياً، بسبب عدم حسم ملف حصرية السلاح في مرحلته الثانية، وعودة إسرائيل إلى تصعيد تهديدها بعمل عسكري واسع ضدّ لبنان.
فيما تسعى اللجنة الخماسية إلى رسم شبكة أمان للجيش اللبناني، من خلال الاجتماع التمهيدي الذي انعقد في القاهرة، تحضيراً لمؤتمر باريس في 5 آذار، برزت أمس تحدّيات بالغة الخطورة، تمثلت في تسريبات نقلتها وكالة «رويترز» حول رسالة إسرائيلية غير مباشرة إلى لبنان، تلوّح فيها باستهداف البنية التحتية المدنية في شكل شامل (المطار، المرافئ، محطات الطاقة) إذا قرّر «حزب الله» الانخراط في أي مواجهة أميركية ـ إيرانية مرتقبة. ومن الواضح أنّ هذه الرسائل ترمي إلى تحييد الساحة اللبنانية، عبر ممارسة ضغط نفسي وسياسي على الحكومة والبيئة الحاضنة للحزب. وهذا يعني، أنّه فيما يطلب المجتمع الدولي تقوية الشرعية اللبنانية، تهدّد إسرائيل بتدمير مقدرات هذه الشرعية وبنيتها التحتية، ما يضع الدولة في موقف المربك والعاجز.
وقالت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، إنّها تتخوف من حال الفراغ والفوضى التي يعيشها لبنان، والتي تمنعه من تنسيق المواقف ورسم خطط وطنية متماسكة لمواجهة الاحتمالات الإقليمية الداهمة. فلبنان، كحكم وقوى سياسية، يبدو في حال انفصام عن الواقع. وفيما تقرع طبول الحرب الإقليمية الكبرى وتوجّه إسرائيل رسائل التدمير الشامل للبنى التحتية، تغرق القوى السياسية في سجالات فارغة حول مسائل هامشية. وقد لا تجد القوى الخارجية «دولةً» تتعاطى معها إذا ما وقع المحظور. ومن شأن عجز المنظومة السياسية عن إنتاج «رؤية طوارئ» موحّدة، أن يجعل لبنان الحلقة الأضعف في الصراع الإقليمي الدائر. ولذلك، هو يعيش حالاً من قطع الأنفاس، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تحولات ستعصف بالشرق الأوسط كله.
وكان اللافت أمس، أنّ مسؤولاً إسرائيليا اكّد أن لا صحة للتقارير عن نية استهداف البنية التحتية في لبنان، وقال: «استهداف مؤسسات الدولة اللبنانية ليس ضمن أهدافنا». لكن وزير الخارجية يوسف رجي، تمنّى عبر منصة «إكس»، «أن يمتنع «حزب الله» عن الدخول في أي مغامرة جديدة، وأن يجنّب لبنان دماراً إضافياً». وقال: «لقد تلقينا تحذيرات تشير إلى أنّ أي تدخّل من قبله قد يدفع إسرائيل إلى ضرب البنية التحتية، ونعمل بكل الوسائل لمنع ذلك».
نفي رئاسي
ونفت مصادر رئاسية عبر «الجمهورية»، أن يكون لبنان قد تبلّغ رسمياً من قبل وسطاء او ديبلوماسيين، انّ اسرائيل تنوي ضرب بنى تحتية او مرافق عامة وخصوصاً المطار. واكّدت «انّ ما تحدث عنه وزير الخارجية يُسأل عنه شخصياً، ولا علم لأركان الدولة به. وهكذا أجواء او معطيات لا تصل ولا تُبلّغ ضمن تصريحات إعلامية. وأي اتصال بين رجي وبعبدا او عين التينة او السراي الحكومي لم يحصل للإبلاغ عن هذه المعلومات، وبالتالي لا يمكن إدراجها إلّا ضمن التهويل والتخويف».
بدورها مصادر سياسية بارزة قالت لـ«الجمهورية»، انّ لغة التهديد التي يعكسها الإعلام الإسرائيلي هي جزء من الحملة وليست بجديدة. وكشفت هذه المصادر «انّ الرسائل الجدّية من بنيامين نتنياهو حتى الآن، والتي أُبلغت إلى لبنان و«حزب الله» عبر موفدين وتحدث عنها الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، هو تصعيد كبير للحرب على الحزب، سواء حصلت ضربة إيران او لم تحصل، وإنّ توقيت هذا العدوان مفتاحه بيد نتنياهو بتفويض او ضوء اخضر أميركي، لكن القرار بتحييد الدولة عنه لا يزال ساري المفعول».
وحول اجتماع لجنة «الميكانيزم» اليوم، قلّلت المصادر من أهمية ما سيصدر عنه، وهو اجتماع على المستوى العسكري وبتمثيل عادي، لا يُتوقع منه قرارات استثنائية. وذهبت المصادر إلى وصفه بـ«اجتماع رفع العتب، لأنّ الأمور أصبحت في مكان آخر».
احتماع تحضيري
وكان عُقد أمس في القاهرة الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وقد حضره المبعوث الشخصي للرئيس الفرنسي إلى لبنان جان ايف لودريان، والجنرال فالنتان سيلر ممثل فرنسا في «الميكانيزم» وفي اللجنة العسكرية التقنية الخاصة بلبنان.
وعلمت «الجمهورية»، انّ المراجع الرسمية تبلّغت أمس انّ اجتماع القاهرة كانت أجواؤه مقبولة، ولكن الذين حضروه لم يلتزموا بشيء في انتظار العودة إلى دولهم. واكّدت مصادر رسمية لـ»الجمهورية»، انّ العرضين اللذين قدّمهما قائد الجيش العماد رودولف هيكل والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء بلال عبدالله «كانا مقبولين». وتخلّل اللقاء بضعة اسئلة حول حصرية السلاح.
في السياق ذاته، التقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، لودريان، على هامش أعمال الاجتماع التحضيري. وأكّد عبد العاطي خلال اللقاء موقف مصر الراسخ والداعم لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، مشدّداً على أولوية تمكين مؤسسات الدولة الوطنية اللبنانية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، لضمان استقرار البلاد.
وأشاد عبد العاطي بالدور الفرنسي الفاعل، مرحّباً بانعقاد مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن اللبنانية في باريس يوم 5 آذار المقبل، وكذلك المساعي الرامية لعقد مؤتمر لاحق لدعم الاقتصاد اللبناني وإعادة الإعمار، مؤكّداً استعداد مصر لتقديم كافة سبل الدعم لإنجاح هذه الاستحقاقات.
وفي سياق متصل، شدّد عبد العاطي على ضرورة تبنّي المجتمع الدولي مقاربة شاملة، مؤكّداً أنّه لا سبيل لاستعادة الاستقرار إلّا عبر إلزام إسرائيل بالوقف الفوري لعدوانها، والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1701 دون انتقائية، محذّراً من مخاطر استمرار السياسات الإسرائيلية التصعيدية على أمن المنطقة. كما تطرّق اللقاء إلى أطر التنسيق السياسي، حيث اتفق الجانبان على أهمية مواصلة التنسيق والتشاور في إطار اللجنة الخماسية حول لبنان وتعزيز دورها في دعم استعادة الاستقرار المؤسسي فيه.
الموقف الإيراني
في غضون ذلك، أكّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان «أهمية مكانة لبنان في السياسة الخارجية والإقليمية الإيرانية»، مشدّدًا على دور البلاد في تعزيز السلام والاستقرار، ومعلنًا أنّ طهران «تتابع تطورات الأوضاع في لبنان باهتمام وقلق بالغ».
وخلال مراسم تسلّم أوراق اعتماد السفير اللبناني الجديد لدى طهران أحمد سويدان، حيث أعرب بزشكيان عن رغبة بلاده في أن يعيش الشعب اللبناني في «سلام واستقرار وطمأنينة»، وأن يبقى بمنأى عن التهديدات، اعتبر «أنّ الهجمات التي تشنّها إسرائيل تمثل «التحدّي الرئيسي وعامل عدم الاستقرار وانعدام الأمن في لبنان والمنطقة»، مؤكّدًا أنّ موقف إيران من هذه الإجراءات «واضح وحازم» ويستند إلى دعم حقوق شعوب المنطقة. وشدّد بزشكيان على «استعداد طهران لتوسيع التعاون مع الدول العربية والإسلامية»، لافتًا إلى أنّ «تطوير العلاقات مع لبنان يُعدّ من أولوياتنا». وأشار إلى أنّ العلاقات بين طهران وبيروت لا تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل تمتد لتكون علاقة بين الشعبين، في إشارة إلى البعد الأوسع للتعاون بين البلدين.
ميدانياً
جنوباً، أعلن الجيش اللبناني انّه «أثناء استحداث الجيش نقطة مراقبة عند الحدود الجنوبية في منطقة سردة - مرجعيون، تعرّض محيط النقطة لإطلاق نار من الجانب الإسرائيلي، بالتزامن مع تحليق مسيّرة إسرائيلية على علو منخفض وإطلاقها تهديدات بهدف دفع العناصر إلى المغادرة. وقد أصدرت قيادة الجيش الأوامر بتعزيز النقطة والبقاء فيها والردّ على مصادر النيران. وتجري متابعة الموضوع بالتنسيق مع لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية وقوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان - اليونيفيل».
الصورة : (نقلا عن الجمهورية)
