
كتبت صحيفة "النهار": لم يكن اللبنانيون ومعهم كل الخارج الدولي في حاجة إلى مرور الأسبوع الأول للحرب التي أشعل سلاح "حزب الله" شرارتها وصعّدتها إسرائيل لكي يتثبتوا من أن حقيقة الحرب الجارية هي كونها حرباً إسرائيلية إيرانية مباشرة ومداورة، ولو بواجهة الحزب.
ذلك إن أخطر الوقائع التي برزت بقوة في الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، والتي تطلّ بها الحرب على أسبوعها الثاني، تمثّلت في انكشاف واسع لتورّط الحرس الثوري الإيراني في إدارة الميدان من بيروت وربما من الجنوب والبقاع أيضاً، بدليل اغتيال إسرائيل فجر البارحة مجموعة من مسؤولين رفيعي المستوى في الحرس الثوري في فندق رامادا في الروشة، وتزامن ذلك مع "إجلاء" طائرة نقل روسية كبيرة، بموافقة رسمية لبنانية، أكثر من 150 ديبلوماسياً إيرانياً مع عائلاتهم وجثث ضباط إيرانيين قتلوا في بيروت.
ولا يقتصر الأمر على انكشاف طابع حروب الآخرين على أرض لبنان مجدداً، بعد أكثر من خمسين عاماً على صرخة غسان تويني التاريخية في كشف طبيعة الحروب والاستباحات التي تتعاقب على لبنان، بل إن المواجهة الميدانية اتّخذت طابعاً يُنذر باتّساع العمليات الإسرائيلية والمجازر التي تواكبها، بعدما اتّسعت في المقابل عمليات إطلاق صواريخ "حزب الله" في اتجاه البلدات والمدن في شمال إسرائيل، وهو الأمر الذي أثار الخشية الكبرى من أن يكون الحزب أعاد انتشاره الميداني في جنوب الليطاني رغم قرار حصر السلاح وإعلان سيطرة الجيش اللبناني الكاملة على جنوب الليطاني. ولا يخفى أن البيان الذي أصدره قائد الجيش العماد رودولف هيكل السبت وتحدّث عن أن الحل لا يكون فقط عسكرياً بل ديبلوماسياً أيضاً، أثار جدلاً وتداعيات غير مريحة لدى بعض الجهات وظلّت مكتومة.
ولا تقف الخشية عند مفاعيل الانهيار المحتمل لحصر السلاح في هذه المنطقة وحدها، بل إن لبنان يواجه احتمال إطلاق اسرائيل نمطاً هجومياً أوسع واشدّ تدميراً، خصوصاً بعدما أثبت الإنزال الإسرائيلي في النبي شيت بحثاً عن رفات الطيار الإسرائيلي رون آراد، ولو لم يتم العثور على شيء، قابلية إسرائيل لإطلاق مفاجآت وإنزالات في حرب يبدو أنها ستطول. فالتحذيرات الخطيرة التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحكومة اللبنانية بدت أقرب إلى التهيئة للمرحلة الثانية التصعيدية من الحرب تحت وطأة الشرط الأساسي، أي نزع سلاح "حزب الله".
ويتزامن ذلك مع انكفاء كل انواع الجهود الديبلوماسية باستثناء الجهود الفرنسية التي صار واضحاً أن فرصة تحقيقها اختراقاً ديبلوماسياً يلجم الحرب تكاد تكون معدومة. وأما الموقف الرسمي من إمكان القيام بأي إجراءات لتجنيب البلاد مزيداً من أهوال الحرب وسقوط الضحايا وتفاقم أزمة النزوح، فتقف كلها أمام العجز الواضح عن حمل "حزب الله" على الخطوة اليتيمة التي يمكن أن تلجم نتنياهو عن استباحة لبنان لحملته الحربية الحارقة، وهي التسليم بقرارات الحكومة وتسليم سلاحه للجيش وإلا فإن النتيجة المخيفة معروفة ومحسوبة سلفا.
إذ إن نتنياهو توجّه للحكومة اللبنانية بالقول: "عليكم نزع سلاح حزب الله وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار وإلا سيواجه لبنان عواقب قاسية"، وتوجّه للحزب بالقول: "نقول لحزب الله من يضع سلاحه سينقذ حياته ومن لا يفعل دمه مهدور".
كما أن وزير دفاعه يسرائيل كاتس وجّه تهديداً مماثلاً إلى رئيس الجمهورية جوزف عون شخصياً، فقال: "جوزف عون: لبنان ليس الأمم المتحدة، أنت وحكومتك التزمتما تنفيذ الاتفاق ونزع سلاح حزب الله، وهذا لم يحدث. لن نسمح بالهجمات على مجتمعاتنا، ولن نسمح بالهجمات على جنودنا. إذا وصلت الأمور إلى مواجهة مباشرة، فإن من سيدفع الثمن بالكامل هو حكومة لبنان، ولبنان ككل. لن نسمح لحزب الله بالعمل من الأراضي اللبنانية أو البنية التحتية اللبنانية لإلحاق الأذى بمدنيينا وجنودنا. إذا لم تفرضوا هذا، وأصبح الخيار بين حماية مواطنينا وجنودنا أو حماية الدولة اللبنانية، فسنختار الدفاع عن مواطنينا وجنودنا، وسيدفع لبنان وحكومته ثمنًا باهظًا جدًا".
والحال أن عدد الشهداء والضحايا والجرحى والنازحين ارتفع منذ فجر الاثنين في الثاني من آذار وخلال أقل من أسبوع إلى أعداد قياسية. ويقدّر عدد النازحين بأكثر من نصف مليون معظمهم من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، إضافة إلى بلدات بقاعية، فيما سجلت وزارة الصحة العامة حتى أمس استشهاد 394 شخصاً بينهم 83 طفلاً و42 سيدة وإصابة 1130 آخرين في غارات شملت أكثر من 60 مدينة وبلدة لبنانية.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه ضرب أكثر من 600 هدف في مختلف أنحاء لبنان خلال أسبوع، وقضى على نحو 200 عنصر من "حزب الله"، وكشف أنه استخدم أكثر من 820 قذيفة في لبنان خلال أسبوع.
في غضون ذلك، كشفت هيئة البث الإسرائيلية، معلومات إضافية عن استهداف عناصر من الحرس الثوري ليل السبت الأحد في العاصمة بيروت، بعدما استهدفت غارة غرفة في فندق رامادا. واعلنت الهيئة أنه "وفقا للجيش، كان يقيم في الفندق خمسة مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى من فيلق القدس التابع للحرس الثوري، وأن من بين المستهدفين، عناصر من المخابرات الإيرانية ومسؤولين ماليين في فيلق القدس.
وفي وقت لاحق كشفت تقارير اغتيال المسؤول المالي بفرع لبنان في فيلق القدس ماجد حسيني ومسؤول المخابرات في فرع لبنان في فيلق القدس علي باعازار، ورئيس "الملف الصهيوني" في فرع لبنان في فيلق القدس حسين أحمدلو في فندق رامادا في الروشة.
وكشفت صاحبة فندق "رامادا"، بأن قادة الحرس الثوري الإيراني دخلوا الفندق بجوازات سفر مزوّرة.
وشنّ الطيران الإسرائيلي غارات عنيفة متلاحقة على صير الغربية ورشاف وصربين والشعيتية والخيام وعيتيت وكونين وغازية والطيبة وخردلي ومجدل سلم وقبريخا وعربصاليم ومجدلزون والنبطية ووادي حسن، فيما تعرّضت يحمر والخيام وخراج بلدة شبعا لقصف مدفعي.
وأسفرت الغارات عن مجزرة في صير الغربية حيث سقط 20 ضحية بين الأهالي، كما سقط 3 قتلى وعدد من الجرحى في الغارة على منزل في بلدة عيتيت و4 قتلى في غارة على الدوير.
وإلى خطورة اتّساع الحرب على لبنان تفاقمت خطورة تورّط "حزب الله" في اعتداءات على قبرص، حيث ارسل وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي رسالةً نصيةً إلى نظيره القبرصي كونستانتينوس كومبوس، أعرب فيها عن "إدانته الشديدة للهجمات التي استهدفت قواعد عسكرية بريطانية في قبرص"، وذلك في أعقاب إعلان وزير الخارجية القبرصي أن الطائرات المسيّرة المحمّلة بمتفجرات التي نفّذت تلك الهجمات قد انطلقت من الأراضي اللبنانية. وأكد رجي في رسالته "أن هذه الأعمال لا تمثّل لبنان دولةً وشعباً وقيماً"، مشدداً على أن بلاده "لن تكون منصةً لتنفيذ أجندات خارجية، وداعياً أصدقاءه القبارصة إلى عدم الخلط بين الدولة اللبنانية وبين الجهات التي تعمل خارج سلطتها وإطارها القانوني.
وذكّر الوزير بالقرار الحكومي اللبناني الذي يُصنّف جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لـ"حزب الله" أنشطةً غير قانونية، مؤكداً أن "الهجمات على قبرص تقع في هذا السياق بالتحديد، إذ تُنفَّذ خارج سلطة الدولة وتتعارض مع قراراتها السيادية".
وخُتمت الرسالة بالتعبير عن الأسف البالغ إزاء وقوع هذه الأعمال المشينة، مع تأكيد رفض لبنان التام لها بصورة لا لبس فيها ودون أي تحفظ.
وفي جانب قضائي متّصل بالأزمة، أشارت معلومات إلى أن النيابة العامة العسكرية ادّعت على 3 اشخاص من بين 30 موقوفاً ينتمون إلى "حزب الله" كان بحوزتهم أسلحة حربية خفيفة ومتوسطة، على أن يتم استجواب المدّعى عليهم أمام المحكمة العسكرية الدائمة مجدداً اليوم تمهيداً لإصدار حكم نهائي بحقهم.
ووفق مصدر قضائي، فإن مراجعات "حزب الله" تتم بلغة تحمل لهجة حادّة، مؤكداً أن هذا الأسلوب لن ينفع مع القضاء.
وشدّد المصدر على أن القانون سيُطبَّق على الجميع من دون استثناء، لافتاً إلى أن بين الموقوفين أيضاً أشخاصاً من مختلف الطوائف أوقفوا في منطقة المدفون.
الصورة : (وزير الصحة ركان نصر الدين يعرض خلال مؤتمر صحافي في مركز عمليات الطوارئ الإحصائيات المحدثة لعدد الشهداء والجرحى أمس.نقلا عن النهار)
