
محمد صالح
لم يكن هناك عيد هذا العام ليمر .. ولو مرور الكرام في الجنوب وجنوب الجنوب وعلى اهالي الجنوب , هاجر بعيدا , اخذته تلك الطيور المهاجرة , ابعدته عن الجنوب .. غاب الفرح وغاب معه العيد ومعالمه, وطقوسه , وحل الحزن مهيمنا , مقيما , مقيتا".
اي عيد يمر على نازح , مهجر , على تارك لداره , بيته , غرفته . اي عيد هذا الذي ياتي على انسان ارغمته آلة القتل الاسرائيلية على مغادرة ذكرياته , ضيعته , مدينته والحي الذي يقيم فيه , و"الحاكورة" التي تمشى فيها .
اي عيد هذا والدمار في كل مكان وعداد الشهداء والجرحى يتكاثر ويزداد يوميا والبيوت وما تبقى منها اتشحت سوادا بسواد .
.. ولكن , رغم قساوة المشهد , ويوميات الحرب ولياليها الطويلة الحالكة… فان ابناء الجنوب يؤكدون تمسّكهم بأرضهم وقراهم بشتى السبل والوسائل, ولهم قصص وحكايا وروايات عن هذا العشق لارض الجنوب , مذ كان الجنوب في لبنان وكانوا اهله...
نحو 20 بالمئة (وفق التقديرات المتداولة), اكثر او اقل من اهل الجنوب , جنوب الليطاني , يعبّرون عن هذا العشق للارض, مفضلين البقاء في بيوتهم, رغم تقطيع اوصال الجنوب وبتر شرايينه الحيوية , والقتل والدمار والحصار ...
وحتى "البعض" من اهالي المناطق التي طالتها تهديدات العدو في النبطية والزهراني يرفضون مغادرة منازلهم… لانهم ذاقوا عذابات التهجير في الامس القريب والماضي البعيد , وذاقوا ذل التهجير وآلامه النفسية واوجاعه الاجتماعية , ذاقوا معنى ان يتعطفون عليك , في مأوى ومبيت , وحرام وفرشة وما تيسر من مستلزمات معيشية انسانية تخص ويحتاجها اي انسان ..
مع تقديراهل الجنوب الكبير لكل من استقبلهم وامّن لهم الماوى والماكل واحتضنهم ووقف الى جانبهم هذه الايام ومد يد العون والمساعدة لهم في المناطق الي وفدوا اليها.. لكن هؤلاء يرفضون اخلاء وترك بيوتهم , حتى التي تضرّرت بفعل الغارات .. رغم التحذيرات والغارات والموت الذي يتهددهم كل لحظة.
بالنسبة لهم القصف والغارات قد تميتهم مرة واحدة , لكن ذل التهجير وبشاعته يميتهم كل يوم وكل لحظة, لذا قرر هذا "البعض" عدم ترك بيته..فالبيوت قد تُدمَّر , لكن هي إرادة البقاء في أرض الجنوب...رغم المجازرَ والجرائم تركتب بحق الاهالي والتدميرٍ الممنهجٍ للمباني والبنى التحتية....انه العشق الذي ما بعده ولا قبله من عشق لهذه الارض الطيبة.
اما في جنوب الجنوب , فالميدان مشتعل والحرب في كل زاوية والمواجهات في كل دسكرة وبلدة وحي .. الميدان ,ميدان الجنوب , ملتهب , تصعيدٌ في العدوان , واحتدام في المواجهات ..
هكذا يبدو المشهد في يوميات الجنوب وفي لبنان عموما, في ايام العيد , وقبله وبعده , فالعدوانٌ متواصل , والغاراتٌ لا تهدأ في كل مكان , والدمار كبير ولا يوصف... العدو يوغل في دماء اللبنانيين, بطائراته الحربية والمسيّرات التي لا تفارق سماء الجنوب وكل لبنان , ولا تتوقف عن شنّ غاراتها…
ليلٌ الجنوب متصلٌ بنهاره , نارٌ مفتوحة على القرى والبلدات. حتى الجسور دمّرت بالكامل , الرئيسية منها والفرعية , شرايين الجنوب وتلك المعروفه بـ"العبّارة" ويستخدمها المزارعون , وتصل المناطق الزراعية بعض ببعض قطعت جميعها عند نهر الليطاني …وتم فصل جنوب الليطاني عن بقية الجنوب وعن لبنان ؟.
ما حصل قد حصل في الجنوب , وما كتب قد كتب, والوقت الان ليس للمساجلة .. واهل الارض يروون سيرتها على طريقتهم المعتادة منذ عقود وعقود , هذا دابهم مذ كانوا .. وكان الاحتلال في فلسطين .. يسجلون وقفاتهم في الميدان , التحفوا الثرى , هم غرسها ,نبتها ,زرعها , شتلة التبغ . هم الزعتر والزيتون , هم لونها الوردي , هم احمرار شقائق نعمان الربيع الاتي حتما ولا محالة .. فالارض , ارضهم وما بدّلوا تبديلا" .



