
كتبت صحيفة "الجمهورية": يومٍ لبناني بالغ الحساسية، بدا المشهد السياسي أقلَّ ضبابيةً ممّا كان عليه في الأيام الماضية، بعدما انتقل ملفّ وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل من خانة التسريبات والرهانات إلى مستوى الإعلان السياسي المباشر، مع كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّه أجرى اتصالات وصفها بالممتازة مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأنّ ثمّة وقفاً لإطلاق النار لمدّة عشرة أيام بدأ فجر اليوم، على أن يُستثمر هذا التطور لدفع مسار تفاوضي أوسع في المرحلة التالية. هذا الإعلان، الذي تلاقى مع تأكيدات إسرائيلية وترحيب لبناني ودولي، لا يمكن التعامل معه كخبر عابر، بل كمنعطف سياسي يضع لبنان أمام فرصة نادرة لالتقاط أنفاسه، واستعادة زمام المبادرة، وإخراج نفسه من منطق الاستنزاف المفتوح إلى منطق الدولة التي تفاوض باسم شعبها ومصلحتها العليا.
اتصال ترامب... لحظة تثبيت سياسي
الأهمية الأولى في تطورات أمس، لا تكمن فقط في وقف النار المعلن، بل في أنّ لبنان كان حاضراً على أعلى مستوى رئاسي في الاتصالات التي سبقته. فحين يتحدّث ترامب علناً عن اتصاله بالرئيس عون، وعن دعوة مرتقبة إلى البيت الأبيض لكلٍّ من عون ونتنياهو، فهذا يعني أنّ الرئاسة اللبنانية لم تعد مجرّد متلقٍّ لنتائج الوساطات، بل باتت جزءاً من هندسة المسار السياسي نفسه. وبالمعنى العملي، فإنّ هذا التطور يمنح موقع الرئاسة زخماً إضافياً، ويؤكّد أنّ المبادرة اللبنانية التي قادها عون طوال الفترة الماضية بدأت تنتج وقائع ملموسة، لا سيما مع تداول أكثر من مصدر لبناني ودولي، بأنّ الدفع نحو التهدئة والتفاوض استند إلى مبادرة لبنانية رسمية قادها رئيس الجمهورية.
عون يربح خيار الدولة
من الواضح أنّ الرئيس عون يتقدّم اليوم بوصفه رأس الحربة في معركة تثبيت خيار الدولة. فجوهر ما يحصل ليس مجرد هدنة تقنية تُسكت الجبهة لساعات أو أيام، بل محاولة جدّية لنقل الملف من أيدي الميدان إلى مؤسسات الشرعية. وهذا بالضبط ما يمنح موقف عون ثقله: الرجل يدفع باتجاه أن يكون لبنان هو الذي يقرّر، وأن تكون المفاوضات، مهما كانت صعبة وحساسة، جزءاً من مسار حماية السيادة لا التنازل عنها. وقد سبق لعون أن شدّد في مواقف رسمية سابقة، على أنّ الحرب لا تنتج حلاً عملياً، وأنّ التفاوض يبقى الطريق الوحيد لاستعادة الأمن والاستقرار، فيما أظهرت تغطية اليوم، أنّه أكّد استمرار المفاوضات على قاعدة مبادرته. هنا تحديداً تكمن الإيجابية السياسية في المشهد: رئيسٌ يقدّم بديلاً عن الفوضى، ويضع الدولة في موقع الفاعل لا المتفرّج.
وقف النار ليس تنازلاً... بل استعادةٌ للمصلحة اللبنانية
في الداخل اللبناني، سيحاول البعض تلقائياً التعامل مع أي وقف للنار أو تفاوض باعتباره موضع شبهة أو إحراجاً أو ضعفاً. لكن القراءة المسؤولة تقول العكس تماماً. فلبنان الذي دفع أثماناً بشرية واقتصادية وأمنية باهظة، لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى تبريد الجبهة، حماية المدنيين، وقف التدمير، وفتح الباب أمام معالجة سياسية تحفظ ما تبقّى من مقومات الدولة. لهذا بدا الترحيب الرسمي اللبناني بالتطورات منسجماً مع مصلحة وطنية واضحة، إذ رحّب رئيس الحكومة نواف سلام بإعلان وقف النار، كما صدرت مواقف دولية مرحّبة من الاتحاد الأوروبي والسعودية، مع تشديد واضح على دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه وتثمين الدور الإيجابي الذي أدّاه عون، إلى جانب الرئيس نبيه بري ورئيس الحكومة. هذه المظلّة السياسية العربية والدولية ترفع من قيمة المسار التفاوضي، وتُسقط عنه صفة المغامرة، لتجعله أقرب إلى فرصة إنقاذ من الانهيار الأمني المفتوح.
بين الهدنة والتفاوض... الفرصة التي لا يجوز إحراقها
وقال مرجع سياسي بارز لـ«الجمهورية»: «صحيح أنّ وقف النار المعلن ما زال موقتاً، وصحيح أنّ إسرائيل لا تزال تربطه بحساباتها الأمنية وتتعامل معه بوصفه مساحة اختبار لا تسوية نهائية، لكن الصحيح أيضاً أنّ لبنان لا يملك ترف رفض أي نافذة تخفّف النار وتفتح الباب أمام مفاوضات أوسع. فالتفاوض هنا ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة دولة. والرهان الفعلي يجب أن يكون على تحويل الأيام العشرة إلى مدخلٍ لترتيب أشمل: تثبيت الهدوء، حماية المدنيين، تحريك القنوات السياسية، وفرض حضور الدولة اللبنانية بوصفها الجهة الوحيدة المخوّلة الكلام باسم لبنان. وإذا كان ترامب قد وضع ثقله الشخصي خلف هذا المسار، وإذا كانت عواصم عربية وأوروبية سارعت إلى احتضانه، فإنّ المسؤولية اللبنانية تصبح مضاعفة في عدم تبديد هذه اللحظة».
رئاسة تمسك بالمبادرة
وأكّد المرجع، انّ الخلاصة السياسية لنهار أمس هي أنّ الرئيس جوزاف عون نجح في تثبيت معادلة بالغة الأهمية: لا خلاص للبنان من بوابة الحرب المفتوحة، ولا حماية له إلّا عبر الدولة، ولا مكان لأي معالجة جدّية خارج وقف النار والتفاوض. في هذا المعنى، فإنّ ما جرى اليوم (أمس)، ليس مجرد تقاطع مصالح إقليمي ودولي، بل ثمرة مسار لبناني أخذ وقتاً وجهداً واتصالات، ووصل الآن إلى أول اختبار علني كبير. وإذا أحسن لبنان الرسمي إدارة هذه اللحظة، فقد يتحول وقف النار من هدنة موقتة إلى بداية مسار سياسي أطول، يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويمنح اللبنانيين أخيراً حقهم الطبيعي في أن يعيشوا خارج فوهة الحرب.
