Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • دراسات ومقالات
  • السبت 25 نيسان 2026

لماذا لا يجوز المس بقوانين تجريم الاتصال بالعدو ؟

لماذا لا يجوز المس بقوانين تجريم الاتصال بالعدو ؟

المحامي سعيد بوعقل

في العام 1999، ومع انسحاب العدو الإسرائيلي ومليشياته من جزين ومنطقتها تحت وطأة ضربات المقاومة، دخلت المنطقة مرحلة دقيقة وحساسة، لم تكن أقل أهمية من مرحلة المواجهة نفسها. يومها، تقدّم ما يقارب 160 شاباً من أبناء المنطقة لتسليم أنفسهم إلى السلطات اللبنانية، ليُحالوا إلى المحكمة العسكرية اللبنانية بجرم الاتصال والتعامل مع العدو.
في تلك المرحلة، انبرى عدد من محامي جزين للدفاع عن هؤلاء الشباب، وكنت من بينهم، حيث تولّيت الوكالة عن 110 منهم، فيما توزّع الباقون على زملاء آخرين. وخلال المحاكمات، تباينت المقاربات الدفاعية: فبعضها انطلق من فكرة الإكراه المعنوي والتجنيد القسري الذي فرضته المليشيات العميلة، وبعضها ذهب أبعد من ذلك، وصولاً إلى توصيف هؤلاء كضحايا ظرفٍ قاهر، بل وحتى إلى حدّ طلب التكريم الرمزي لهم.
أما أنا، فكان منطلقي مختلفاً، مستنداً إلى مقولة للزعيم أنطون سعادة: «نحاربهم لننتصر بهم». أي أن الخطأ، مهما كان جسيمًا، لا يُواجَه بالانتقام، بل بالمحاسبة التي تفتح باب العودة. فكان جوهر الدفاع يقوم على فكرة واضحة: نعم، يجب أن يُحاسَب من أخطأ وفقاً للقانون، لكن ليس بهدف إقصائه أو كسره، بل تمهيداً لإعادة دمجه في مجتمعه، من خلال منح أوسع الأسباب التخفيفية، أو حتى الإعفاء من العقاب حيثما أمكن.
وقد جاءت الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية، في معظمها، متّسمة بقدرٍ ملحوظ من المرونة، وهو ما انسجم مع مقاربة وطنية أوسع، جرى تنسيقها في حينه مع المقاومة، التي لم تتّجه بعد التحرير عام 2000 إلى أي شكل من أشكال الانتقام، بل تركت الأمر لمؤسسات الدولة. وكانت النتيجة أن الغالبية الساحقة ممن خضعوا للمحاكمة، عادوا واندمجوا في مجتمعهم، وكأنهم استخلصوا العبرة من التجربة، دون أن يتحولوا إلى عبء دائم أو مصدر خطر مستقبلي.
هذه التجربة، بكل ما فيها من تعقيد، تقدّم اليوم درساً بالغ الأهمية. فالمعادلة التي اعتُمدت آنذاك—محاسبة قانونية من جهة، واستيعاب وطني من جهة أخرى لم تكن تسوية ظرفية، بل خياراً واعياً أثبت فعاليته. إذ نجح في حماية المجتمع من التفكك، وفي الوقت نفسه في صون المعايير القانونية والأخلاقية.
ومن هنا، تكتسب النقاشات التي تُثار اليوم حول الدعوة إلى إلغاء القوانين التي تجرّم الاتصال بالعدو، بما في ذلك قانون مقاطعة إسرائيل، خطورة مضاعفة. فهذه القوانين لم تُشرّع عبثاً، ولم تُطبّق بروح انتقامية، بل جاءت لتشكّل إطاراً ناظماً يحدّد الخط الفاصل بين ما يجوز وما لا يجوز في سياق علاقة لا تزال محكومة بعداء واضح ومفتوح.
إن الدعوة إلى إلغاء هذه النصوص، بمعزل عن أي نقاش في توقيتها أو خلفياتها، تتجاهل التجربة اللبنانية نفسها، التي أثبتت أن وجود هذه القوانين لا يمنع المعالجة المرنة، ولا يحول دون اعتماد مقاربات إنسانية عند الضرورة، بل على العكس، يشكّل الضمانة التي تسمح بالموازنة بين الردع والاستيعاب.
فالخطر لا يكمن في النصوص بحدّ ذاتها، بل في غيابها. إذ إن رفع هذا السقف القانوني، في ظل واقع إقليمي معقّد واستمرار حالة العداء، من شأنه أن يفتح الباب أمام التفلّت، وأن يضعف مناعة المجتمع، ويحوّل مسألة بالغة الحساسية إلى شأنٍ قابل للاجتهاد الفردي، بدل أن تبقى ضمن إطار واضح تحكمه الدولة.
من هنا، فإن الحفاظ على هذه القوانين لا يعني الانغلاق، ولا يتعارض مع أي مقاربة عقلانية أو واقعية، بل يشكّل امتداداً لتجربة أثبتت نجاحها: تجربة لا تلغي الإنسان، لكنها لا تساوم على الثوابت.
وبين الدعوات المتسرّعة للتغيير، والوقائع التي لا تزال قائمة، يبقى الخيار الأكثر حكمة هو التمسّك بما حمى المجتمع سابقاً، لا التفريط به.
فبعض القوانين لا تُقاس فقط بنصوصها، بل بما تحفظه من توازنٍ دقيق… لا يحتمل المغامرة

تواصل معنا
صيدا - لبنان
mosaleh606@hotmail.com
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة