
كتب عماد مرمل في "الجمهورية" التالي : يقارب الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط ملف التفاوض المباشر مع تل ابيب بتروٍ وحذر، فيرفض حرق المراحل على هذا الصعيد، ويتفادى في الوقت نفسه حرق المراكب مع أحد في الداخل.
بهذا المعنى، يوحي جنبلاط عبر سلوكه، انّ «التفاوض» بين اللبنانيين يبقى أهم من التفاوض مع إسرائيل، وانّه إذا كان لا بدّ من حوار معها، فمن باب أولى أن لا ينقطع الحوار الداخلي، من أجل تحصين الموقف اللبناني في مواجهة العدوانية الإسرائيلية والشروط المطروحة.
وإذا كان جنبلاط يتفهم خيار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون باعتماد التفاوض المباشر، فإنّه أيضاً يفهم هواجس «الثنائي الشيعي»، خصوصاً صديقه الرئيس نبيه بري، ويعرف انّ توازنات التركيبة اللبنانية لا تتحمّل الإندفاعات السريعة والحمولات الزائدة.
صحيحٌ انّ جنبلاط يقارب خيار التفاوض المباشر ببراغماتية، آخذاً في الحسبان «ضرورات الأنظمة»، لكنه يريد لهذا الخيار ان يكون محكوماً بضوابط وصمامات أمان سياسية، تمنع الانزلاقات إلى المحظور، وتسمح بتحصيل الحقوق اللبنانية من دون ارتدادات سلبية على الداخل.
من هنا، يعتبر جنبلاط انّ سقف التفاوض يجب أن يكون العودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949 مع بعض التحديث لها إذا لزم الأمر، بحيث لا يتعدّى أي اتفاق مع تل أبيب حدود الإطار الأمني الذي يُخرج لبنان من حالة الحرب، إنما من دون أن يأخذه إلى حيث يريد نتنياهو الذي يحاول فرض شروط الاستسلام على الدولة اللبنانية تحت النار.
وبهذا المعنى، يفرّق جنبلاط بين الاتفاق الأمني الذي قد يشكّل ضرورة لوقف الحرب، وبين مفهوم السلام والتطبيع الذي هو من المحظورات بالنسبة اليه، ربطاً بموقف مبدئي واستراتيجي لديه يتجاوز الحسابات التكتيكية والمصالح الظرفية.
ويؤكّد العارفون، انّ رفض جنبلاط السلام والتطبيع لا ينبع من مسايرة للمكون الشيعي او للرئيس نبيه بري تحديداً، في مقابل مسايرة عون في سلوكه مسار التفاوض، وكأنّه يسعى إلى تدوير الزوايا والتموضع في الوسط بين الطرفين، بل انّ موقفه متأتٍ بالدرجة الأولى من قناعته التي تتماهى مع المسار التاريخي للحزب «التقدمي الاشتراكي» وإرث كمال جنبلاط، «وبالتالي يحرص أبو تيمور من جهة على أن يبقى متصالحاً مع نفسه، ومن جهة أخرى على مراعاة خصوصية لبنان التي تستوجب ان يكون آخر الموقّعين من العرب».
والأكيد، انّ جنبلاط يستظل في خياره بسقف السعودية المستند إلى ركيزتين، الأولى عدم استعجال السلام في ظل الرفض الإسرائيلي المستمر للمبادرة العربية المولودة في بيروت عام 2002، والثانية، تحصين الساحة اللبنانية في مواجهة مخاطر الفتنة.
ويعتبر جنبلاط انّ الضمان لتحصين مسار التفاوض ومنع شروده إنما يكمن اولاً في تأمين أوسع توافق وطني ممكن حوله، وثانياً في تحديد أجندة واضحة له تتضمن الانسحاب الإسرائيلي وإطلاق للأسرى وإعادة النازحين وبدء الإعمار وإحياء اتفاقية الهدنة.
ويفترض جنبلاط، انّ هذه الأجندة تستطيع التوفيق بين مقتضيات إنهاء الحرب مع تل أبيب ومتطلبات حماية السلم الأهلي في الداخل، وإلّا فإنّ الذهاب إلى أبعد من ذلك سيسمح للكيان الإسرائيلي بأن يربح السلام، فيما سيخسره لبنان الذي لا يتحمّل مغامرة سياسية من هذا النوع.
وما يلفت اليه جنبلاط، وفق القريبين منه، هو انّ رافضي خيار السلام والتطبيع ليسوا الشيعة فقط، بل تعارضه أيضاً مروحة واسعة من القوى السياسية في مختلف الطوائف، والتي تتقاطع، على رغم من تنوع انتماءاتها، عند عدم قابليتها لتجرّع كأس السلام والتطبيع المرّ، وبالتالي فإنّ هذه المسألة تعني شريحة واسعة من اللبنانيين ولا يمكن اختزالها بحركة «امل» و«حزب الله».
ويختصر أحد قياديي «التقدمي الاشتراكي» المعادلة بالآتي: «لا يجوز ان نذهب إلى السلام فقط نكاية بالحزب!».
