
المحامي سعيد بوعقل
في العلاقات بين الدول، قد يختلف الناس حول جدوى التفاوض أو حول توقيته أو شروطه، لكن هناك حقيقة لا خلاف عليها: أن أي مفاوضات جادة تحتاج إلى حد أدنى من الثقة بإمكان الوصول إلى نتيجة ما، أو على الأقل إلى قناعة بأن الطرف الآخر مستعد لاحترام ما قد ينتج عنها.
من هنا تكتسب حادثة استشهاد ضابطين وجندي من الجيش اللبناني أثناء قيامهم بواجبهم الوطني على أرض لبنان أهمية تتجاوز الحدث العسكري نفسه. فهي وقعت فيما تسير المفاوضات، وفي وقت يُفترض فيه أن يكون المسار السياسي قد فتح نافذة أمل نحو خفض التوتر ومنع التصعيد.
لقد عرف التاريخ الحديث مفاوضات كثيرة بين أعداء خاضوا حروباً دامية، من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية إلى نزاعات عديدة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. لكن نجاح تلك التجارب ارتبط دائماً بوجود إدراك متبادل بأن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية ليس قدراً محتوماً، وأن التفاهم، مهما كان صعباً، يبقى ممكناً عندما تتوافر الإرادة السياسية الحقيقية والاحترام المتبادل للحقوق والالتزامات.
أما حين تستمر العمليات العسكرية وتتكرر الاعتداءات فيما المفاوضات قائمة، فإن السؤال يصبح مشروعاً: ما هي الرسالة التي يراد إيصالها؟ وهل المقصود التفاوض للوصول إلى تسوية عادلة ومستقرة، أم التفاوض تحت ضغط القوة وفرض الوقائع الميدانية؟
ولعل ما يزيد من مشروعية هذه التساؤلات أن اللبنانيين لا يتعاملون مع صفحة بيضاء أو مع تجربة مجهولة. فالعلاقة مع إسرائيل ليست وليدة اللحظة، بل هي حصيلة عقود طويلة من الحروب والاجتياحات والاعتداءات والاحتلالات المتكررة التي تركت آثاراً عميقة في الذاكرة الوطنية اللبنانية. فمن اجتياح عام 1978 إلى اجتياح عام 1982، مروراً بالاعتداءات المتكررة على الجنوب والبقاع والضاحية وسائر المناطق اللبنانية، وصولاً إلى الحروب الأخيرة، تكوّنت لدى شريحة واسعة من اللبنانيين قناعة بأن المشكلة لا تتعلق بحدث عابر أو نزاع حدودي محدود، بل بصراع يرتبط بموازين القوى وبنظرة إسرائيل إلى أمنها ودورها ومصالحها في المنطقة.
ولذلك فإن أي مقاربة واقعية للمفاوضات لا يمكن أن تتجاهل هذا التاريخ الطويل من التجارب المريرة، ولا المخاوف المشروعة التي تولدها الوقائع المتراكمة في أذهان اللبنانيين كلما طُرح الحديث عن سلام قريب أو تسوية نهائية.
إن لبنان دفع خلال عقود طويلة أثماناً باهظة نتيجة الصراعات والحروب والاحتلالات والاعتداءات المتكررة. ومن الطبيعي أن يتطلع اللبنانيون إلى الاستقرار وإلى إنهاء دوامة الدم والدمار. لكن من الطبيعي أيضاً أن يتساءلوا عن حدود الرهان على مسار تفاوضي لا تزال الوقائع اليومية تطرح حوله الكثير من علامات الاستفهام.
فالتاريخ يعلمنا أن السلام الحقيقي لا يُبنى على النوايا وحدها، بل على احترام متبادل للالتزامات، وعلى قناعة فعلية بأن للطرف الآخر حقوقاً لا يجوز إنكارها أو تجاوزها. كما يعلمنا أن المفاوضات لا تنجح لمجرد انعقادها، بل لأنها تستند إلى أرضية صلبة من الثقة والالتزام والقدرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
لذلك فإن النصيحة التي يمكن توجيهها إلى المعنيين بهذا المسار ليست التراجع عن السعي إلى حماية لبنان وتجنيبه المزيد من المآسي، بل الحذر من الإفراط في الرهان على نتائج قد لا تأتي كما هو متوقع. فالتجارب الكبرى في تاريخ المنطقة علمتنا أن الواقعية السياسية لا تقل أهمية عن حسن النية، وأن بناء السياسات الوطنية يجب أن يقوم دائماً على قراءة دقيقة للوقائع لا على الآمال وحدها.
فالرهانات الخاطئة قد لا يدفع ثمنها أصحاب القرار وحدهم، بل قد يدفع ثمنها وطن بأكمله
