
كتبت صحيفة "الجمهورية": فيما بدأ لبنان تحضيراته لجولة المفاوضات المباشرة الجديدة بينه وبين إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية المقرَّرة في 22 من الجاري، وفي ظل تصاعد الإعتداءات الإسرائيلية اليومية عليه، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصُّل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران سيُعلَن موعد توقيعه ومكانه قريباً، ملغياً ضربات جوية كان سيوجِّهها لإيران ليلة أمس، لليوم الثاني على التوالي. وتوسّم المراقبون أن ينعكس هذا الاتفاق، إذا حصل، إيجاباً على لبنان، بما يُلزم إسرائيل بوقف شامل النار والانسحاب. في الوقت الذي بدأ الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان زيارة للبنان، والتقى خلالها الرؤساء الثلاثة وقيادات سياسية بارزة.
أعلن ترامب مساء أمس، إلغاء الضربات الجوية التي كانت مقرّرة ضدّ إيران مساء أمس، مؤكّداً أنّ المحادثات معها وصلت إلى أعلى مستويات القيادة الإيرانية وحظيت بالموافقة اللازمة. وكشف في بيان عبر منصّته «تروث سوشيال»، أنّه بصفته رئيساً للولايات المتحدة قرّر إلغاء الضربات والقصف المقرَّر على إيران، مشيراً إلى أنّ المناقشات والتفاهمات النهائية اتُفِق عليها من حيث المبدأ والتفاصيل بين جميع الأطراف المعنية.
وأضاف، أنّ التفاهمات حظيت بموافقة الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وباكستان والبحرين والكويت والأردن ومصر، إلى جانب أطراف أخرى، لافتاً إلى أنّ موعد توقيع الاتفاق ومكانه سيُعلنان قريباً. وأكّد أنّ الحصار البحري سيبقى سارياً بكامله إلى حين استكمال الإجراءات النهائية وإبرام الاتفاق رسمياً.
قبل ساعات من قراره هذا، هدَّد ترامب في منشور، إنّ واشنطن ستوجّه «ضربة قوية جداً» إلى إيران خلال الليل، معتبراً أنّ طهران فقدت معظم قدراتها الدفاعية والهجومية، بما في ذلك قواتها البحرية والجوية وأنظمة الرادار والدفاع الجوي. وأضاف أنّه في «مستقبل غير بعيد» ستسيطر الولايات المتحدة على جزيرة خارك ومواقع أخرى من البنية التحتية النفطية الإيرانية، بما يُتيح لها التحكُّم بنحو واسع بأسواق النفط والغاز التابعة لها، مشبِّهاً ذلك بما وصفه «التجربة الأميركية» في فنزويلا.
منصة للمناورة
في هذه الأثناء، وعلى وقع اتساع دائرة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، كشفت مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، أنّ «استراتيجية حكومة بنيامين نتنياهو تقوم على توظيف التفاوض كمنصة للمناورة وكسب الوقت، في انتظار تعديل الخرائط على الأرض. فنتنياهو يمارس عملية تضليل ديبلوماسي مدروسة. أي إنّ تل أبيب تسرِّب طروحات معيّنة في الكواليس حول الترتيبات الأمنية التدريجية والمناطق النموذجية، لا لرغبة حقيقية في إبرام اتفاق وشيك، بل لاتخاذ هذه الأفكار ملهاة سياسية تمنح جيشها الوقت الكافي لإنجاز التوغل البري جنوباً. وهدفه الأساسي في هذه المرحلة هو الضغط الأقصى لتحصيل تقدُّم ملموس على الأرض، وتحديداً التركيز العسكري المكثف على محوري النبطية وصور. وتدرك القيادة الإسرائيلية أنّ السيطرة على هذَين المحورَين الاستراتيجيَّين ستعني حكماً تثبيت واقع «الحزام الأمني الثاني» الممتد إلى جنوب نهر الزهراني، بعدما فرض الإسرائيليّون واقعاً عسكرياً جنوب نهر الليطاني. ويرى نتنياهو أنّ الوقت يخدمه. لذلك، يمرّ الجنوب اللبناني بأيام حرجة، بين تمسُّك لبنان الرسمي بالديبلوماسية كقارب نجاة وحيد لإنقاذ الدولة، كما أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمس مجدّداً، والمناورة الإسرائيلية التي تستخدم التفاوض غطاءً لعمليات قضم جديدة».
اجتماع تحضيري
وقد ترأس الرئيس عون بعد ظهر أمس اجتماعاً في قصر بعبدا، حضره قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس الوفد المفاوض السفير سيمون كرم والضباط أعضاء الفريق العسكري المفاوض.
خلال الاجتماع، قُيِّمَت مداولات الاجتماعَين التفاوضيَّين اللذَين عُقِدا في واشنطن في 29 أيار الماضي و2 و3 حزيران الجاري مع الجانبَين الأميركي والإسرائيلي في «البنتاغون» ووزارة الخارجية الأميركية. وزوَّد رئيس الجمهورية كرم والضباط التوجيهات اللازمة في ما يتعلّق بالاجتماع المرتقب عقده في العاصمة الأميركية خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران.
خريطة طريق
جزم مصدر سياسي قريب من الثنائي لـ«الجمهورية» أنّ «لا موعد بعد محدَّداً للجولة المقبلة من المفاوضات، وأنّ رئيس الجمهورية الذي ينسق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في شأن المقترح الأميركي ينتظر من «حزب الله» خريطة طريق ليبني على الشيء مقتضاه». وقال المصدر، إنّ «الرئيس بري مستعجل أكثر من أي وقت مضى للحصول على وقف إطلاق نار شامل، لكن لا تزال الحلول المطروحة التي وصلته عامة، تفتقد لآليات واضحة، ولا سيما منها المتعلّق بالمناطق التجريبية التي يرفض أن يحصل فيها الانسحاب من طرف واحد. وكشف المصدر، أنّ «الرئيس عون أبلغ إلى الجميع أنّه مُصمِّم على مسار التفاوض، ولا حل لإنهاء النزاع سوى الديبلوماسية التي تخوضها واشنطن».
كذلك كشف المصدر أنّ عون «طلب عبر قنوات خاصة من «حزب الله» وللمرّة الأولى، أن يُقدِّم تصوُّره للحل مكتوباً لعرضه على الحكومة، وهذه الورقة ضرورية لنقاشها ووضع الملاحظات عليها وإلّا سنبقى ندور في الدوامة عينها».
وتوقع المصدر أن يحصل تقدُّم في الساعات المقبلة ربطاً بالتقدُّم الحاصل في إسلام آباد. وأشار إلى أنّ اقتراح بري هو أن يحصل قبل كل شيء وقف إطلاق نار شامل، ثم توضع كل الخطوات التالية والملفات على الطاولة، وأنّه يشترط مظلة عربية - إيرانية يحتاجها لبنان برعاية أميركية، ويكون للسعودية وقطر بالتحديد دور محوري فيها.
وعلمت «الجمهورية»، أنّ الاجتماعات التي عقدها الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان أمس مع الرؤساء الثلاثة وعدد من الشخصيات السياسية البارزة، أفضت إلى تقريب وجهات النظر حول بنود التفاوض والأولويات. وكان اللافت في هذا الإطار اللقاء الطويل مع الرئيس بري.
مصمِّمون
وكان الرئيس عون، أكّد لوكالة «رويترز»: «مصمِّمون على الذهاب إلى جولة مفاوضات جديدة»، مضيفاً أنّه إذا «تأجّلت هذه الجولة فليتحمَّل الإسرائيليّون المسؤولية». وأوضح أنّ «إعلان واشنطن لم يتضمّن حرّية الحركة لإسرائيل، وإنما تضمّن حق الطرفَين في الدفاع عن النفس»، مؤكّداً أنّ «أوراق القوّة التي يفاوض بها تأتي انطلاقاً من موقعه الدستوري والموقف الأميركي الداعم».
وأشار إلى أنّ زيارة قائد الجيش الأخيرة لباكستان كانت مقرَّرة مسبقاً، وأنّها تتمحور حصراً حول دعم الجيش. وأضاف: «لا نقبل أن تملي علينا إيران ما يجب فعله. نحن دولة ذات سيادة ولا يحق لها التحدُّث باسمنا، وإذا اختار «حزب الله» البقاء في حالة حرب فإنّه سيضرّ بالمجتمع الذي يدّعي الدفاع عنه. لا خيار لدينا سوى التفاوض لإنهاء هذا النزاع وكذلك الإسرائيليّون، ولا نقبل أن يصبح لبنان ساحة لحروب الآخرين. ومصمِّمون على المسار الديبلوماسي. فلا حل عسكرياً».
إلى ذلك وخلال لقاءاته، أكّد عون: «إنّ وضع البلد لم يعُد يتحمَّل. والقرار الذي أخذناه هو عن قناعة ولمصلحة لبنان. أليس كثيرون شكّكوا فيَّ شخصياً خلال السنة الماضية متسائلين عمَّا أقوم به؟ نحن أعطينا فرصة، لكن عندما وصلنا إلى ما وصلنا إليه كان قرارنا بالذهاب إلى المفاوضات. ألم نرَ ويلات الحروب وإلى ماذا تؤدّي؟ فكيف إذا كانت الحروب تضاعف خساراتنا؟ لذلك نحن ضدّها وقرارنا حرّ، وأكرّر لمصلحة لبنان».
وفي وقت متأخر مساء أمس، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب شدّد على ضرورة أن يتضمن أي اتفاق نهائي مع إيران وقف دعمها لحلفائها في المنطقة، بالإضافة إلى إخراج المواد المخصبة من الأراضي الإيرانية، وذلك في إطار الجهود الجارية للتوصل إلى تسوية شاملة بين الجانبين.
الموفد السعودي
وكان الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان بدأ زيارة رسمية للبنان، جاءت بعد القرار الملكي الأخير بفتح الأسواق السعودية أمام الصادرات اللبنانية، وتهدف إلى دعم المؤسسات الشرعية اللبنانية وسيادة لبنان ووحدة أراضيه ورفاهية شعبه ومسار الإصلاح. وقد لاقى هذا القرار ترحيباً لبنانياً واسعاً.
وكانت المملكة أعلنت مساء أمس الأول استئناف الصادرات اللبنانية إليها، وذلك بناءً على طلب رئيسَي الجمهورية والحكومة «ووفقاً للخطوات الإيجابية التي قامت بها الحكومة اللبنانية في طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة، وما أنجزته الفرق المختصة طوال العام الماضي، وما أبداه الجانب اللبناني من تعاون معها وتقديمه التعهّدات المطلوبة».
الصورة : (نقلا عن الجمهورية)
