
اعتبر النائب الدكتور عبد الرحمن البزري في كلمته التي القاها في مجلس النواب ان الموازنة لم تلحظ بشكلٍ جدي وواضح احتياجات المواطنين الذين تعرّضوا للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ولا احتياجات من هُجّروا من مناطقهم ومنازلهم، لجهة تأمين بدلات إيواءٍ حقيقية ودعم يحفظ كرامتهم، رغم الجدلية التي أثيرة حول هذا الموضوع من بعض الزملاء.
كما أغفلت الموازنة المشكلات المزمنة المستجدة، وفي مقدّمتها الأبنية الآيلة للسقوط، وضرورة التحرّك السريع لمنع تكرار مآسٍ إنسانية كتلك التي شهدتها مدينة طرابلس الفيحاء.
ولم تُلحظ أيضاً التقديمات والدعم المطلوبان للمتضررين من أصحاب المصالح والمحلات التجارية والصناعية، وهي أضرار يمكن أن تتكرر مستقبلاً، كما حصل في المدينة الصناعية في صيدا والغازية.
ومن الواضح في هذه الموازنة غياب العدالة الاجتماعية، سواء في التقديمات أو في الرسوم والضرائب المفروضة، والتي طالت شرائح من المواطنين لم تعد قادرة على تأمين قوتها اليومي.
وهنا أُذكّر الصيادين الذين فُرضت رسوم على زوارقهم، رغم عجزهم عن تأمين معيشتهم اليومية.
وفي هذا السياق، نُعبّر عن قلقنا الشديد من تدنّي النفقات الاستثمارية التي كنّا نُراهن عليها لتحريك العجلة الاقتصادية في البلاد.
وإذا ما اطلعنا على موازنة وزارة البيئة نرى ان تواضع المبالغ المرصودة لا يبشر بالخير لناحية إيجاد الحلول للمشاكل البيئية وصيدا مدينتي تعاني من فداحتها.
كما يلحظ في هذه الموازنة غياب أي خطة أو توجّه إصلاحي واضح، رغم أننا ننظر إلى هذه الحكومة بنظرة أملٍ ورجاء، على افتراض أنها مختلفة عن سابقاتها، في ظل عهدٍ جديد نُراهن فيه على بناء الدولة وتحقيق إصلاحٍ حقيقي.
أما المعاشات والتعويضات غير المتناسبة للهيئات الناظمة، مقارنةً ببقية معاشات القطاع العام، فهي تُعبير عن خللٍ واضح في مقاربة رواتب وتعويضات هذا القطاع الهام.
كما أن التعديلات التي طالت بعض القوانين الإجرائية الضريبية، وزيادة الغرامات بأسلوب غير متناسب، وصلت في بعض الحالات إلى أربعين ضعفاً أو أكثر، إضافة إلى تعديل رسوم سبق تعديلها، كل ذلك يدل على أن من أعدّ الموازنة كان يبحث عن المداخيل بمعزل عن أي رؤية حقيقية. ويُضاف إلى ذلك غياب الإنصاف في معاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، مما يدفعنا إلى المطالبة بتعديل هذه الموازنة.
إن غياب الرؤية الاقتصادية - الاجتماعية المتكاملة في الموازنة المقدّمة إلينا يحثنا على التساؤل عن سبب إهمال هذه الناحية الحيوية، خصوصاً وأن موازنات دول العالم تُبنى، إلى حدٍّ كبير، على رؤاها الاستثمارية والإنمائية، وليس فقط على إجراءات محاسبية مبسّطة.
إنها موازنة بلا فذلكة تُفسّر روحية وأسباب وضعها، وكأنها مجموعة قسائم أُعدّت مسبقاً وُزّعت على الوزراء، فقام كل وزير بتعبئة طلبات وزارته، ثم جُمعت ونُسّقت ضمن الإمكانيات المتاحة مع وزير المالية.
انها موازنة لا ترقى الى مستوى التحديات في زمن التعقيدات المحلية والدولية والإقليمية.
انها موازنة مبنية على الرسوم والضرائب في زمن الغلاء وتوقف العجلة الاقتصادية.
وإذا كان الوضع الأمني يعتبر أحد الأسباب الرئيسة لغياب الاستثمار فان النظام المصرفي المتهالك بفعل السياسات الخاطئة والهدر هو سبب اخر لعدم الاستثمار.
دولة الرئيس
ما زلنا نُراهن على هذه الحكومة، رئيساً ووزراءً، لما نعرفه عن مناقبيتهم وكفاءتهم وقدرتهم على إحداث التغيير. لكن التغيير، في جوهره، هو قرار سياسي قبل أن يكون مجرد مجموعة خبراء ذوي نوايا حسنة.
كنّا نأمل أن نشهد تغييراً فعلياً ونوعيا في موازنة عام 2026، إلا أننا، وللأسف، لم نحظَ بهذه الفرصة.
وعليه، فإن هذا المجلس الكريم سيصوت على الموازنة بنداً بنداً، ويُقرّ ما يراه مناسباً أو يرفض ما يراه مجحفاً أو مخالفا، لكن لا بدّ من التذكير بأننا، ورغم كل ما ورد، ما زلنا نُراهن على هذه الحكومة كونها الأولى في بداية عهدٍ جديد ولبنان جديد، ونأمل أن تتصرّف هذه الحكومة على هذا الأساس.
وأختم بقول الشاعر إيليا أبو ماضي:
«إذا ما خابَ ظنّي بالرفاقِ
وخابَ الظنُّ في كلِّ الصحابِ
سأبني لي من الأملِ طريقاً
وأمضي رغمَ جرحٍ في الترابِ»
ونحن نقول لهذه الحكومة: نُراهن عليكم، ولا نُريد لظنّنا أن يخيب.
