
كتبت صحيفة النهار تقول: ما أعلنه نائب رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" محمود قماطي لم يعكس أي اتجاه مرن لدى الحزب، إذ قال: "طوينا صفحة التباين الذي حصل مؤخراً مع الرئيس عون ونحن مستعدون دائماً للحوار"، لكنه أضاف أن "رئيسي الجمهورية جوزف عون والحكومة نواف سلام كانا يخضعان في المرحلة السابقة لإملاءات خارجية
لم تقف الدلالات والأبعاد البارزة للجولة الواسعة التي بدأها أمس رئيس الحكومة نواف سلام ويكملها اليوم على بلدات وقرى المنطقة الحدودية الجنوبية عند كل ما يتصل بحضور الدولة في هذه المنطقة التي تعيش حال حرب وتهجير ودمار وقلق فحسب، بل إن دلالة رمزية أساسية واكبتها وتمثلت في أن سلام شاء إحياء ذكرى مرور سنة على تأليف حكومته التي تصادف اليوم من الجنوب تحديداً. وهي دلالة تكتسب أبعادها في الشكل والمضمون معاً، إذ برزت في محطات اليوم من الجولة كل الأولويات المتعلقة بإعادة الإعمار، كما في الوضع المعقد المتصل باحتلال إسرائيلي لنقاط حدودية، كما أن صورة الحفاوة الشعبية اللافتة التي أحيط بها سلام في الجولة شكّلت علامة فارقة. ومع أن "حزب الله" لم يترك لنواب "أمل" وسواهم الجنوبيين أن يحضروا في المشهد، وشارك نواب عديدون منه في عدد من المحطات، إلا أن ازدواجية الحزب سرعان ما بددت ما كان يمكن أن يعلق من إيجابيات لمشاركة نواب الحزب في استقبال رئيس الحكومة، عندما سارع رئيس المجلس السياسي في الحزب محمد قماطي إلى تسديد سهام موقف "مسمم" لأجواء الانفتاح المزعوم باتهام متجدد لرئيسي الجمهورية والحكومة بأنهما خضعا لإملاءات خارجية سابقاً ويحاولان اليوم معالجة الأخطاء.
وكان الرئيس سلام بدأ أمس جولته على مناطق حدودية في جنوب لبنان للوقوف على الوضع الميداني، وتأكيد حضور الدولة واستعدادها لتحمّل مسؤولياتها تجاه المواطنين الجنوبيين، سواء لجهة الإعمار وإنهاء الاحتلال وإعادة الأسرى والحفاظ على الأمن والاستقرار.
وكانت محطة سلام الأولى في ثكنة الجيش اللبناني في مدينة صور، حيث أكّد "أن حق أهالي المنطقة في الأمان والسكن والأرض والعيش الكريم هو حق وطني لا يتجزأ"، مشدداً على أن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة تشكّل انتهاكاً للسيادة اللبنانية وتهديداً مباشراً لحياة المدنيين. وأشار إلى "أن حضور الدولة في الجنوب اليوم يحمل رسالة واضحة مفادها أن بسط سلطة الدولة لا يقتصر على انتشار الجيش اللبناني وسيطرته على الأرض، رغم التقدير الكبير لدوره، بل يتعداه ليشمل تحمّل المسؤولية تجاه الناس واحتياجاتهم الحياتية من مدارس ومراكز صحية وبنى تحتية وخدمات أساسية، بما يضمن حياة كريمة للمواطنين".
ولفت إلى أن "الحكومة تعمل على ثلاثة محاور أساسية تتمثل في صون كرامة النازحين ودعم العائدين وتأمين حياة أفضل لجميع أبناء الجنوب، كما تتحرّك على ثلاثة مسارات متكاملة هي: استمرار عمليات الإغاثة، وإعادة الإعمار، وتوفير شروط التعافي والإنماء الاقتصادي والاجتماعي". وأعلن في هذا السياق إطلاق عدد من مشاريع إعادة الإعمار بعد تأمين التمويل اللازم، سواء من الموازنة العامة أو عبر قروض ميسّرة بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي، إضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، فضلاً عن 35 مليون يورو على شكل منح من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والدنمارك لدعم التعافي الاقتصادي، مع تركيز خاص على القطاع الزراعي والتعاونيات الزراعية. وختم بالتأكيد أنه سيقوم بزيارة ثانية إلى الجنوب قريباً لمتابعة تنفيذ هذه المشاريع على أرض الواقع.
وفي يارين، قدّم الأهالي للرئيس سلام العباءة العربية في لفتة رمزية تعبّر عن التقدير والاحترام لمواقفه ودوره في دعم أهالي المنطقة وتعزيز حضور الدولة في المناطق الحدودية. ومن طيرحرفا أعلن أن وجود الدولة اليوم هنا هو رسالة في مواجهة هذا الدمار الهائل الذي لن نستسلم له أبداً، فبسط سلطة الدولة لا يكتمل إلا بالمدرسة والمركز الصحي والمياه والكهرباء والاتصالات والطرق السالكة. وبالروح نفسها التي أعلناها في صور، فإن مسار التعافي وإعادة الإعمار هو إطار عمل متكامل يقوم على ثلاثة محاور: الإغاثة والإعمار والإنماء الاقتصادي والاجتماعي. إنه مسار واحد مترابط، وليس خطوات متفرقة. واليوم، في طير حرفا، الرسالة واضحة: الدولة موجودة لتبقى، لا لتزور وترحل.
وفي بنت جبيل، قال النائب أشرف بيضون خلال استقبال سلام في سرايا بنت جبيل: "أحمّل رئيس الحكومة رسالة من كل بيت جنوبي مفادها أن تكون البلدات الحدودية في عين الدولة، تُعطى الأولوية على باقي المناطق لتثبيت المواطنين في أرضهم، وهكذا تكون الدولة قوية وحاضنة". كما قال النائب حسن فضل الله إن "الجنوب لم يعرف منذ عام 2000 انتهاكاً للسيادة كما يحصل اليوم". أما النائب الياس جرادي فدعا إلى انعقاد جلسة واحدة في الشهر لمجلس الوزراء في الجنوب. واستكمل الرئيس سلام جولته بزيارة بلدة عين إبل، على أن ينهيها في رميش وعيتا الشعب، ويستكملها غداً.
وبدا لافتاً ما أكّده السفير المصري علاء موسى من أن أي مفاوض لبناني يحتاج إلى امتلاك أوراق قوة تعزّز موقعه التفاوضي، معتبراً أن غياب هذه الأوراق سيحول دون تمكّن لبنان من تحقيق مكاسب حقيقية. وأوضح أن إحراز تقدم في المفاوضات وإنعاش آليتها يتطلبان مدخلات جديدة تتمثل بوقف الخروقات الإسرائيلية، إضافة إلى إبداء تجاوب فعلي بشأن النقاط الخمس المحتلة. وفي ما يتعلّق بالوضع الداخلي، أعرب السفير المصري عن اعتقاده بأن حزب الله مستعد للتعاون مع الجيش اللبناني لتطبيق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح.
لكن ما أعلنه نائب رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" محمود قماطي لم يعكس أي اتجاه مرن لدى الحزب، إذ قال: "طوينا صفحة التباين الذي حصل مؤخراً مع الرئيس عون ونحن مستعدون دائماً للحوار"، لكنه أضاف أن "رئيسي الجمهورية جوزف عون والحكومة نواف سلام كانا يخضعان في المرحلة السابقة لإملاءات خارجية وأنهما يحاولان اليوم تصحيح المسار ومعالجة الأخطاء التي نتجت عن تلك الضغوط."
الصورة : سلام في جنوب لبنان (نبيل اسماعيل)
