
طلال أرقدان
واحد وخمسون عاماً تعود بنا إلى يوم شتوي بارد، كان فيه الصيادون في ذروة غضبهم، يستعدّون للانطلاق في تظاهرة احتجاجاً على منح السلطة اللبنانية آنذاك شركة «بروتيين» الاحتكارية الحق الحصري بصيد الأسماك ضمن المياه الإقليمية، على حساب مصالح صغار الصيادين ولقمة عيشهم.
أصرّ أبو مصطفى أن يكون إلى جانب الصيادين، رغم الوعكة الصحية التي ألمّت به آنذاك. تقدّم صفوف التظاهرة، وصدحت الحناجر غضباً في وجه سياسات السلطة الظالمة.
انطلقت المسيرة ووصلت إلى ساحة النجمة، حيث انهمر الرصاص غزيراً، فأصاب معروف إصابةً قاتلة. سقط أرضاً مضرجاً بدمه، وما هي إلا أيام حتى ارتقى شهيداً، فشكّل استشهاده إحدى أولى إرهاصات الحرب التي شنّها اليمين الممسك بالسلطة آنذاك، في محاولة لوقف تنامي الحركة الشعبية الآخذة بالتبلور والاتساع، والمعبّرة عن قدرة الشارع الوطني على إحداث التغيير الديمقراطي.
سقط معروف سعد شهيداً، لكنه بات منذ ذلك الحين رمزاً لنضال العمال والفلاحين والكادحين، والمدافع الصلب عن حقهم في الحياة الكريمة والعيش الحرّ الكريم.
ما أحوجنا إليك يا أبا مصطفى، ونحن نعيش لحظة سياسية واجتماعية محتدمة، تشبه في ظروفها وأسبابها الأوضاع التي سبقت اغتيالك قبل نصف قرن. فالغلاء، وانعدام فرص العمل، وتنصّل السلطة من مسؤولياتها تجاه شعبها، والضرائب العشوائية التي لجأت إليها، وآخرها زيادة نسبة الضريبة على القيمة المضافة ورفع أسعار المحروقات، كلها عوامل تؤجّج شروط الانفجار الشعبي. فكم نحن بحاجة إلى معروف سعد ليقود نضال الجماهير، حاملاً شعاراتها وأهدافها، لإرغام السلطة على التراجع عن إجراءاتها التعسفية، ووضع مصالح الفئات الشعبية الكادحة في سلّم أولوياتها.
وعزاؤنا أن الطريق التي خطّها معروف سعد سار عليها بأمانة مصطفى سعد، ومن بعده الدكتور أسامة سعد، الذي يقود اليوم، إلى جانب المناضلين الشرفاء، النضال الشعبي والسياسي والاجتماعي، سواء في البرلمان أو في المنتديات السياسية والنقابية، دفاعاً عن حقوق الفقراء والكادحين، وصوناً للحق في لقمة العيش والحياة الحرة الكريمة.
لقد حمل معروف سعد راية فلسطين منذ بواكير شبابه، مناضلاً في ساحاتها، من ثورة العام 1936 إلى معركة المالكية وثورة العام 1958. وها نحن اليوم، بقيادة حامل الأمانة الدكتور أسامة سعد، ماضون على ذات الطريق… طريق فلسطين، حتى يُكتب لها النصر والتحرر والاستقلال.
