
كتبت "الاخبار" التالي : خلال 24 ساعة فقط، تبدّل المشهد الميداني جنوباً. فالمقاومة الإسلامية فاجأت العدو بوجود مجموعاتها عند الحافة الأمامية، مع قدرات عسكرية أتاحت توجيه ضربات إلى الدبابات المتوغّلة، وقصف مواقع داخل العمق المحتل. فيما رفعت إسرائيل من مستوى غاراتها، مُستهدِفة قرى وأبنية مدنية في مختلف المناطق اللبنانية، وسط توقّعات باشتداد المواجهات خلال الأيام المقبلة.
في الجانب الميداني، برز «التفويض الشامل» الذي أعطي لقيادة المنطقة الشمالية بالعمل في كل الساحة اللبنانية من دون الحاجة إلى العودة إلى هيئة الأركان. وهذا يمنحها هامش مناورة أكبر، وسرعة في اتخاذ القرار. وقد أُسندت إلى فرقة كاملة مهمة «الانتشار وفق طابع هجومي»، بالتزامن مع الطلب إلى سكان منطقة جنوب نهر الليطاني المغادرة.
وتقول إسرائيل إنها تحاول الإمساك أمنياً وعسكرياً بآلية التنسيق الجارية على الأرض بين إيران وحزب الله، حيث ظهر من بعض إطلاقات الصواريخ أن هناك تزامناً هدفه إرباك منظومات الدفاع الجوي.
الأمر الآخر، هو رفع مستوى التشدّد من قبل الرقابة العسكرية على نشر أي معلومات أو صور تخص أماكن سقوط الصواريخ، ومنع الحديث عن تعرّض أي منشأة عسكرية أو أمنية حساسة للاستهداف من قبل إيران أو حزب الله. كما يجد الصحافيون صعوبة في الحصول على أرقام دقيقة حول حجم الإصابات من إدارة المستشفيات، علماً أن الأرقام المتداولة في وسائل إعلام العدو تشير إلى أن اكثر من 850 إسرائيلياً تلقّوا العلاج منذ بدء الحرب على إيران، وأن بعضهم لا يزال داخل المستشفيات، علماً أن الرقابة شملت أيضاً الحديث عن عمليات نزوح طوعية بدأت من عدد كبير من مستوطنات شمال فلسطين المحتلة نحو مناطق الوسط والجنوب.
وسريعاً بدأت الانتقادات الإسرائيلية تظهر على السطح، خصوصاً مع الأداء غير المتوقّع للمقاومة إن في القرى الأمامية أو في ما يتعلق بعمليات الاستهداف الجوي في عمق فلسطين المحتلة. ونقلت القناة 13 العبرية عن مسؤول إسرائيلي قوله: «أخطأنا في تقدير موقف حزب الله؛ لم نتوقّع أن يوسّع دائرة استهدافه ويطلق الصواريخ نحو مناطق بعيدة وعميقة».
أداء مفاجئ للمقاومة
وأمس الأربعاء، توزّعت عمليات المقاومة لتشمل كلّ مفاصل القوة الإسرائيلية، مظهرةً تنوّعاً سلاحياً كسر تقديرات العدو، مثل:
- عمليات استهداف، كسرت العمق الإسرائيلي، طاولت قاعدة تل هشومير (120 كلم عن الحدود) مرتين بالمُسيّرات والصواريخ النوعية، وشركة الصناعات الجوية (IAI) في الوسط بالمُسيّرات الانقضاضية. ومثّلت هذه العمليات استهدافاً لـ«المناطق البعيدة والعميقة» التي ظنّ الاحتلال أنها خرجت من دائرة التهديد.
- عمليات شلّ القدرات الجوية الدفاعية من خلال استهداف قاعدة رامات ديفيد، عين شيمر، ورادارات كريات إيلعيزر في حيفا بهدف إعماء العين الإسرائيلية لضمان وصول الصواريخ الثقيلة إلى أهدافها.
- عمليات استنزاف الحافة الأمامية والاحتلال من خلال الكمائن النوعية وتفجير العبوات والاشتباك المباشر في الخيام. وأيضاً من خلال صيد الآليات المعادية وتدمير دبابات ميركافا وناقلة جند في حولا. فضلاً عن دكّ تجمعات جنود العدو عبر ضربات صاروخية للمطلة وكريات شمونة استدعت مروحيات لإجلاء المصابين.
وأمام ضربات المقاومة، أبطأت إسرائيل من تقدّمها البري، إذ لم يسجّل اليوم الثاني توغّلات جديدة بعد ما سجّل اليوم الأول توغّلات نحو تلة يوسف بالقرب من مثلث القوزح - عيتا الشعب وبين ليف وكفركلا وتل النحاس حتى أطراف برج الملوك وحولا والخيام ويارون وأطراف كفرشوبا الجنوبية.
وفي تحليل لوقائع الأيام الأربعة الأولى من التصعيد، يُظهِر أن إسرائيل كانت تعتقد أن الاحتلال الجزئي وحرية العمل المطلقة سيدفعان المقاومة للانكفاء، إلا أن ما كانت التسريبات العبرية تتحدّث عنه حول إعادة ترميم قدراتها، باتت اليوم تشير إليه بالبنان من خلال عودة حيفا وتل أبيب إلى دائرة الاستهداف، واضطرار سلاح الجو الإسرائيلي إلى التدخل في الخيام حيث وقعت قوات له في كمين مُحكم للمقاومين. يضاف ذلك إلى سقوط الرهان الإسرائيلي على «احتواء التصعيد»، إذ إن التوسّع المفاجئ الكثيف لعمليات المقاومة (16 عملية في يوم واحد) وبمديات تصل إلى 120 كلم، يمثّل هجوماً معاكساً لتحطيم «قواعد الاشتباك» التي حاولت إسرائيل فرضها بعد حرب الـ66 يوماً.
ورغم وجود قوات إسرائيلية في بعض النقاط اللبنانية وحرية حركتها الجوية، إلا أن الحزب أثبت قدرته على تحويل نقاط الاحتلال إلى «مصائد» (كما حدث في الخيام وحولا)، وتجاوزه القوات المعادية الموجودة على الحدود لضرب العمق الصناعي والعسكري (IAI وتل هشومير)، ما يعني أن «المنطقة العازلة» التي يتحدّث عنها الاحتلال لم توفّر الأمن لوسط البلاد.
كيف أعاد الجيش تموضعه جنوباً؟
لليوم التالي، واصل الجيش اللبناني تشديد إجراءاته على المتوجّهين جنوباً على حاجز الأولي في صيدا وعلى الحاجز المُستحدث على أوتوستراد الزهراني، بناءً على طلب رئيسَي الجمهورية جوزف عون والحكومة نواف سلام. وعُلم أن الجيش صادر في أكثر من منطقة في شمال الليطاني أسلحة للمقاومة.
من جهته، أوضح الجيش في بيان له حيثيات «توقيف 26 لبنانياً وفلسطيني واحد في عدة مناطق لحيازتهم أسلحة وذخائر بصورة غير قانونية أثناء مرورهم على الحواجز». لكنّ البيان لم يتطرّق إلى انسحاب وحدات الجيش من المراكز المتقدّمة عند الحدود الجنوبية مع بدء التوغّل البري الإسرائيلي.
توزّعت خريطة إعادة تموضع الجيش في جنوبي الليطاني على الشكل الآتي: مراكز رامية وعيتا الشعب والقوزح وعين إبل ورميش عند حدود قضاء بنت جبيل، تراجعت إلى عيتيت (قضاء صور). وفي القطاع الغربي، تراجعت القوات المنتشرة في مروحين والبستان واللبونة. فيما بقيت في مثلّث طيرحرفا الواقعة عند الخط الثاني من الحدود.
وفي القطاع الأوسط، تراجعت القوات من جميع النقاط المتقدّمة نحو بنت جبيل والطيري وبيت ياحون. أمّا في القطاع الشرقي فقد تراجعت القوات نحو الخطوط الخلفية منها كفردونين وشقرا. وفي العرقوب، تراجعت القوات من أطراف شبعا وكفرشوبا إلى مركز كفرحمام.
