
كتب جميل مطر في "موقع 180 بوست" التالي : مرة أخرى أقف حائرًا وأنا أحاول التعرف على، أو فهم، ما وراء الكثير من القرارات السياسية الأميركية، وبخاصة إذا تعلّق القرار بالشأن الخارجي. أذكر، على سبيل المثال، قرار شن الحرب على العراق الصادر في مطلع القرن. وأذكر، على سبيل المثال أيضًا، القرار الصادر بشن الحرب على الجماهيرية الليبية، ولكني أذكر بصفة خاصة، ولأسباب مفهومة، القرار الصادر قبل أيام قليلة بشن حرب ضد إيران. وتجدر الملاحظة أنه في كل هذه الأمثلة، كما في عشرات غيرها، لم تكن الولايات المتحدة مهدَّدة بأي ضرر جسيم يستحق شن الحرب.
دفعتني هذه الحيرة هذه المرة إلى تفضيل عدم الكتابة في موضوع الساعة، واختيار موضوع بدلًا عنه يصلح لمقال انطباعات يبتعد بنا قدر الإمكان عن موضوع الحرب على إيران، بسبب كل ما يكتنفه من حساسيات ومعلومات متناقضة، ولكن – وهو الأهم – بسبب السرعة التي تتحرك بها الأحداث من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب إحساسي بأن وراء الحرب حكايات وخططًا ومؤامرات لا بد أن تُحكى بعد مضي وقت، وبخاصة أن حدسي قد صدق في أمثلة سابقة، ومن ناحية ثالثة تقديري بأن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن هذه الحرب الأخيرة مهددٌ بأن يُلغى في أي لحظة، أخذًا في الاعتبار الدور الكبير الذي يلعبه مزاج السيد الرئيس لحظة اتخاذ القرار. في الوقت نفسه، وأمام قضية تمسنا ليس فقط على المستوى القومي والمستوى الوطني، وربما حسب تصوري وتوقعاتي على المستوى الشخصي أيضًا، قدّرت أنه من حق من يقرأ ما أكتب أن أشركه معي فيما أرى، وفيما أسمع، وفيما أقرأ، وفيما صار تحليلًا وإن غير مكتمل. أشركه أيضًا في شكوكٍ بعضها صار مستحقًا أن يُعلن ويُصرَّح به، وأشركه كذلك في مخاوف لم أعد أقوى على كتمانها، ومعتذرًا أشركه في قلقٍ تضاعف ليصبّ أو يتسبب في أرقٍ وتصرفاتٍ ليس من طبيعتي ممارستها.
***
ليست قليلة هي المعلومات والتطورات التي أحاطت بي، أو بنا، في الأيام الأخيرة. قررت – وليعذرني قارئي إن اختصرت واخترت ما تصوّرت أنه قد يفيد في تبرير بعض ما انتهيت إليه، وحدي أو مع غيري، وبعضهم من الخبراء والمتابعين لتطورات تمس حياتهم أو، وهو الواضح، تمس معتقداتهم وتاريخهم – أن أعرض فيما يلي خلاصات لبعض ما اختصرت واخترت من كل ما سمعت وقرأت ورأيت وحلّلت، أو حلّل غيري من رفاق المرحلة: مرحلة ارتباك وحيرة وأسى ومفاجآت مفروضة، مرحلة هيمن فيها الذكاء الاصطناعي بكل إنجازاته، والخداع بكل أساليبه، والكذب بكل أنواعه، والفساد منقطع النظير، والخيانات بلا حدود، والقتل أو الاغتيال بلا وازع ولا ضمير.
***
شنّت الولايات المتحدة حربًا ضد دولتين على الأقل، وربما ثلاثًا إذا أضفنا نيجيريا إلى فنزويلا وغزة. شنّها جميعًا رئيسٌ لم يخفِ سعيه وأمله أن يحظى بجائزة نوبل للسلام. ومن بعد خيبة أمله وفشل مسعاه في الحصول على الجائزة، راح يشكّل مجلس سلام ليحل محل الأمم المتحدة ومؤسساتها وليغطي على فشله في تحقيق سلام في غزة. وبعد أن شكّل المجلس، راح يخوض حربًا على إيران ليحظى بتنصيبه صاحب مكانة الرئيس الأميركي الأكثر شنًّا للحروب، وتنصيب بلاده الدولة القائدة لمحور شر جديد. جملة تناقضات بلا ضابط ولا حساب. ذكر الرئيس ترامب أنه يسعى بحربه ضد إيران إلى تغيير القيادة الحاكمة والنظام كله، ثم ذكر أنه نجح في قتل عدد من كبار القادة، ليكتشف بعدها أنه تسبب في قتل اثنين أو ثلاثة من هؤلاء كان الرئيس نفسه قد أعدّهما لخلافة المرشد الأعلى!
***
نلاحظ زيادة هائلة في نسبة الآراء الغاضبة في الولايات المتحدة من إسرائيل. ولاحظنا أيضًا زيادة مماثلة في عدد المحللين الأميركيين الذين ارتدوا عن تعاطفهم مع إسرائيل والصهيونية، وبخاصة في دوائر الإعلام والأكاديميا. بعض هؤلاء المرتدين، إلى جانب آخرين، طرحوا بشدة وإصرار فكرة أن إسرائيل كانت، وما تزال، وراء الحملة العسكرية الأميركية على إيران. كثيرون من بين هؤلاء اتهموا إسرائيل بأنها تستخدم ضد ترامب سلاح الابتزاز بالمال أو الجنس أو الفساد، بينما اختصر آخرون الاتهام بالادعاء بأن ترامب كان قد تحول إلى الديانة اليهودية مثله مثل ابنته إيفانكا.
***
كثيرون في أميركا وخارجها مقتنعون تمامًا بأن ترامب يشن الحرب لتشتيت انتباه الرأي العام عن فضيحة جيفري إبستين، وهي الفضيحة التي أودت بمصائر عديد من الشخصيات في الدول الغربية مثل الأمير أندرو الإنجليزي والعالم الاقتصادي سامرز وعدد من رؤساء أميركا السابقين وفنانين وعلماء ورجال قانون. ما تزال آلاف الوثائق غير معلنة بتعليمات من الرئيس ووزيرته المختصة (وزيرة العدل) بهذه الفضيحة. تخضع هذه الوثائق لإعادة تحرير وحذف صور ومستندات لم تُنشر بعد. ويتردد أن الرئيس ترامب مستعد لشن حروب جديدة للتغطية على هذه الاتهامات قبل بدء الحملة الانتخابية لتجديد نصف أعضاء الكونغرس.
***
يعيبون على ترامب وإدارته الناقصة الكفاءة والخبرة تجاهل أو إهمال الدفاع عن حلفاء أميركا التقليديين في دول الخليج العربي، بينما كان الأميركيون يُعدّون مع إسرائيل خطط الحرب على إيران. يُقال الآن، بالهمس كثيرًا وفي العلن قليلًا، إن العرب لن يغفروا لواشنطن هذا الإهمال. ويتردد كثيرًا في هذه الأيام أن إسرائيل تعمدت التغافل عن هذا الأمر اعتمادًا على قلة كفاءة مبعوثي الرئيس في المفاوضات الطويلة التي دارت مع الإيرانيين والخليجيين، وبخاصة مع العمانيين، عشية شن الحرب. وسواء اقتنع الخليجيون بدور لإسرائيل في هذا التغافل، يؤكد الخبراء أن دول الخليج سوف تبقى غير مطمئنة إلى الولايات المتحدة كحليف صادق وملتزم، وبخاصة أن دول أوروبا صارت تواجه المشكلة نفسها في علاقتها بأميركا الترامبية.
***
لا أحد من ذوي الاعتبار استطاع أن يقترح نتائج شبه مؤكدة. إلا أننا حاولنا استقراء احتمالات تمدد تطورات بعينها في المستقبل لهذه الحرب الخبيثة التي تمكنت خلال يومين أو ثلاثة من تهديد استقرار العدو كما الحليف. وأسفرت محاولاتنا عما يلي:
أولاً؛ استغراق المجتمع الأميركي في الاستمتاع بخبايا فساد المستنقع الذي نجم عن فضيحة إبستين، بما يعنيه هذا الاحتمال من لجوء الرئيس ترامب وجماعته إلى مزيد من المغامرات العسكرية.
ثانياً؛ استمرار تدهور الوضع السياسي في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني مزيدًا من البهرجة والقرارات ذات الطبيعة التهريجية، مثل تعيين زوجة الرئيس مندوبة مؤقتة تترأس وفد أميركا في مجلس الأمن، بعد سقوط مهزلة شارك فيها الملياردير صاحب أمازون و«الواشنطن بوست»، وهي مهزلة الفيلم الوثائقي عن حياة السيدة الأولى، في وقت تحكي وثائق إبستين عن تاريخ لها مختلف تمامًا.
ثالثاً؛ على ضوء التقصير في الدفاع عن حلفاء أميركا من العرب، يتوقع محللون أن تتقدم إسرائيل قريبًا للعالم وللعرب بمشروع نتنياهو القديم الذي يقضي بإنشاء تحالف شرق أوسطي يحل محل فكرته الأصلية، التي كانت تحت عنوان «إسرائيل الكبرى». تكون مهمة هذا التحالف القضاء على الإرهابين السني والشيعي في الشرق الأوسط. وكانت الحرب ضد إيران نموذجًا واحدًا منها. ويوجد شك قوي في أن تكون إيران وراء قصف معمل تكرير رأس التنورة، بينما يضع الشك نفسه إسرائيل في موقع تنفيذ هذا الهجوم.
رابعاً؛ يفلح ماركو روبيو، وزير الخارجية في حكومة ترامب، في تحقيق حلم حياته «بتحرير» كوبا من الحكم الشيوعي، وذلك بحرب ضدها تشنها الولايات المتحدة. تقوم القوات الأميركية بإسقاط أو اغتيال الجهاز الحاكم في كوبا كما سبق وفعلت في إيران.
والظن كبير أن يكون مارك روبيو يحلم بأن يختاره الرئيس ترامب رئيسًا لكوبا بعد تحريرها. وعلى كل حال، أكد ترامب بنفسه احتمال القيام بغزو كوبا، كما صرح روبيو نفسه بأن عزل رئيس دولة بالقوة المسلحة الأميركية ليس عملاً من أعمال الحرب.
***
الحرب ما تزال مشتعلة، ومضيق هرمز مغلق، وأسعار النفط والغاز أيضًا مشتعلة، ومصر محرومة من الغاز الإسرائيلي، وأميركا تستمر تخسر في مكانتها، وإسرائيل لن تسمح لترامب بالانسحاب منها قبل أوان تحدده هي.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية


