
كتب سميح صعب في "موقع 180 بوست" التالي : بعد مضى أسبوع على الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، لم تتحقق النتيجة الدراماتيكية التي كان يبحث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أي اسقاط النظام، بفعل صدمة اغتيال المرشد آية الله علي خامنئي ونحو 50 من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية بضربة واحدة.
لم يدفع نجاح أميركا وإسرائيل في تحييد رأس النظام، بالمحتجين الإيرانيين مجدداً إلى الشوارع، مع أن الهجمات تركزت على مراكز قوات الأمن المسؤولة عن إخماد التظاهرات المطالبة باسقاط النظام في كانون الثاني/يناير الماضي.
وبالفعل، امتص النظام الضربات الافتتاحية، وبادر إلى رد فوري على إسرائيل والمصالح الأميركية والبنى التحتية للطاقة في دول الخليج العربية.. وها هو العالم بعد انقضاء الأسبوع الأول للحرب في طريقه إلى صدمة نفطية وغازية، بفعل إقفال إيران مضيق هرمز أمام 20 في المئة من امدادات الطاقة العالمية.
أمل الأميركيون والإسرائيليون بحرب حاسمة خلال مهلة لا تتجاوز المائة ساعة، بناء على نتائج حرب الأيام الـ12 في حزيران/يونيو 2025 التي قال ترامب يومها إن الضربات الأميركية “محت” البرنامج النووي الإيراني بالكامل، ووبّخ وكالة استخبارات الدفاع التابعة للبنتاغون، لأنّ تقويمها أفاد بأن الضربات الأميركية أخّرت البرنامج الإيراني لمدة أشهر فقط ولم تقضِ عليه. وفي تناقض صارخ، يقول ترامب اليوم في معرض تبريره لشن الحرب مجدداً، إن طهران كانت على مسافة أسبوعين من انتاج قنبلة نووية!
بين “الغضب” و”الزئير”
بين عمليتي “الغضب الملحمي” الأميركية و”زئير الأسد” الإسرائيلية، هناك افتراق في التسميتين، وتقاطع في الأهداف. لكن الحرب ومجرياتها وتفاعلاتها وتأثيراتها على الشرق الأوسط والعالم، سرعان ما فرضت تمايزاً بين ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. الرئيس الأميركي تراجع عن هدف اسقاط النظام الذي ورد على لسانه في “خطاب الحرب” في 28 شباط/فبراير الماضي، وبدا في الأيام التالية أكثر تقلباً بين تدمير البرنامجين النووي والصاروخي والبحرية الإيرانية، وصولاً إلى المطالبة بأن يكون له رأي في اختيار الزعيم الإيراني الجديد، بعدما رأى أن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، لا يصلح لهذا المنصب.
تؤكد مواقفه أنه ما يزال متمسكاً بالنموذج الفنزويلي، أي أنه لا مشكلة لديه مع الزعيم الإيراني الذي سيخلف خامنئي، إذا كان مستعداً لإبرام صفقة معه، على طريقة الرئيسة الفنزويلية ديلسي رودريغيز التي خلفت الرئيس نيكولاس مادورو الذي تم خطفه من قصره الرئاسي في كاراكاس في الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي. أما نتنياهو، الذي يخشى أن يعمد ترامب إلى إعلان النصر سريعاً ووقف الحرب، قبل أن يتحقق هدفه المعلن في اسقاط النظام، فتراجع خطوة واحدة إلى الوراء بإيضاحه أن الهدف يتمثل في خلق الظروف التي تمهد لإطاحة النظام.
واضح، أن ترامب ذهب إلى حرب اختيارية، ومن دون استراتيجية دخول أو خروج منها. التخلص من خامنئي، لم يُسقط النظام. إذن، ما العمل الآن؟ المضي في الحرب بلا سقف زمني ينذر بتورط بعيد الأمد. هناك أصوات في الولايات المتحدة بدأت تتحدث عن أن نتنياهو جرّ ترامب إلى حرب غير ضرورية. اتهامات تشبه تلك التي كانت توجه إلى جورج بوش الإبن عقب التورط في العراق.
الحلفاء، الذين تنكر لهم ترامب في السابق، يجد نفسه اليوم في حاجة ماسة إليهم لاحتواء الحريق. وتمد بريطانيا وفرنسا وإيطاليا يد العون، لأن الحرب أوجدت كارثة عالمية لم تعد تقتصر على الشرق الأوسط. هي حرب تتعولم على غرار الحرب الروسية-الأوكرانية. والجيش الأميركي يستعين الآن بخبراء أوكرانيين لاصطياد مسيّرات “شاهد” الإيرانية التي تستهلك الذخائر الاعتراضية الأميركية ذات الكلفة العالية، وتتجاوز سماء الشرق الأوسط إلى قبرص وأذربيجان.
ونتائج الحرب لن تكون أقل تدميراً على الاقتصاد العالمي من تلك الحرب ومن قبلها وباء كورونا. وبحسب تقديرات مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، إذا وصل سعر برميل النفط إلى 100 دولار، فقد ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي في العالم بمقدار 0.4 في المئة ويرتفع التضخم بمقدار 1.2 في المئة.
ليس هذا السيناريو المرعب الوحيد الذي قد ينجم عن الحرب. أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن مارك لينش في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية يكتب أن إيران “أعادت دول الخليج العربية بقوة، وربما بشكل دائم، إلى الواقع الجغرافي. ولم تعد احتمالية الاستهداف الإيراني مجردة.
وإذا تمكن النظام الإيراني من البقاء أو استبداله ببديل استبدادي مماثل، فسوف يتذكر جيداً القوة القسرية التي اكتسبها من خلال مهاجمة الخليج وشحنات النفط. وإذا سقط النظام وانهارت الدولة، فسوف تتعرض دول الخليج لكل تدفقات اللاجئين، وتعطل الشحن، والتطرف، والامتداد المسلح الذي تخشاه. ولم تعد تعتقد أن في إمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع”.
ترامب.. والورقة الكردية
في مقابل الحسم السريع الذي توخاه ترامب، بدأت التقديرات الأميركية تذهب نحو سقف زمني لا يقل عن مئة يوم. الأمر، الذي يزيد في تدني شعبية الحرب التي يعارضها أميركي من بين كل أربعة أميركيين، وفق معظم استطلاعات الرأي (نسبة 90 في المئة أيّدوا حرب أفغانستان عام 2001)، بينما يعارض الديموقراطيون في الكونغرس الحرب ويطالبون بالحد من صلاحيات الحرب التي يتمتع بها ترامب.
وتعارض حركة “ماغا” المؤيدة للرئيس هذه الحرب، ولا سيما قادة الرأي وبينهم مقدم البرامج تاكر كارلسون الذي يتتبعه الملايين على وسائل التواصل الاجتماعي.
كارلسون كانت لديه الشجاعة ليتهم نتنياهو بجر ترامب إلى الصراع. وبعض النواب الجمهوريين ينظرون بخشية إلى التأثير الذي ستحدثه الحرب على الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، إذا طال النزاع وازداد التضخم.
تطور، من شأنه أن يخول الديموقراطيين الإمساك بالكونغرس وعرقلة خطط ترامب في السنتين المتبقيتين من ولايته. في مواجهة هذه التحديات، يبحث ترامب في خيارات بديلة، بينها تقديم الدعم للفصائل الكردية المعارضة المسلحة التي تتخذ شمال العراق مقراً لها.
أي أنه يريد من الأحزاب الكردية الإيرانية أن تكون بديلاً برياً من الجيش الأميركي برغم تصريحه الأخير بأنه لا يرغب بانخراط الأكراد في هذه الحرب. ولذلك، يتركز القصف الجوي الأميركي والإسرائيلي على المواقع الإيرانية في غرب وشمال غرب البلاد، لفتح الطريق أمام المقاتلين الأكراد للتقدم في كردستان إيران. وفي المقابل، يُركز الإيرانيون قصفهم يومياً على مواقع وتجمعات المعارضين الأكراد في العراق. لكن خطوة من نوع انخراط الأكراد في الحرب من البواية العراقية، تثير قلقاً تركياً، لما لها من انعكاسات على تعاظم الدور الكردي في إيران، واحتمال تكرار تجربة “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) في إيران.
وعلاوة على ذلك، قد يستفز الدعم الأميركي والإسرائيلي لأكراد إيران، القومية الفارسية ويدفع بإيران إلى حرب أهلية ونوع من “البلقنة” والفوضى، في حال تحركت قومية البلوش في محافظة سيستان-بلوشستان الموزعة على جانبي الحدود الإيرانية-الباكستانية. وما يصح على البلوش والأكراد يصح أيضاً على القوميتين الآذرية والعربية.
ومن غير المستبعد أن تجد تركيا وباكستان نفسيهما أمام احتمال التدخل في إيران، بهدف كبح طموحات الأكراد والبلوش. إن اللعب بورقة القوميات والمذاهب في إيران، لن تسفر عن نتائج أفضل من تلك التي أفرزها “الربيع العربي” في العقد الماضي، من حروب أهلية على خلفية الحاجزين الديني والعرقي، وستسرع بسيناريوات الفوضى في إيران وعموم الشرق الأوسط.
“هذه ليست حربكم”!
من المؤكد، أن ترامب ونتنياهو، يسعيان من خلال الحرب إلى أكبر تغيير جيوسياسي في المنطقة منذ 1979. لكنهما يخاطران بنشوء إيران أكثر تشدداً، وأكثر اقتناعاً بالنموذج الكوري الشمالي، لجهة السعي بكل قوة إلى القنبلة النووية، كرادع وحيد في مواجهة أميركا وإسرائيل، وهذه النقطة يُحذر منها خبراء أميركيون، لجهة تقدم فريق متشدد إلى مراكز القرار الديني (المرشد الجديد) والسياسي والعسكري والأمني. في حين أن الإصرار على اسقاط النظام، ستكون كلفته عالية على أميركا بالدرجة الأولى. وتشير صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، إلى أن ترامب “يقامر عندما يعتقد أنه يعيش سلسلة انتصارات. لقد تجنبت الحكومة الإيرانية تفجيرات حزيران/يونيو وغطت الأمر، لكنها الآن ستكافح من أجل تجنب خسارة كل شيء. من الصعب أن نتصور أن سكرات موت النظام، إذا وصل الأمر إلى ذلك، ستكون جميلة”. ربما، لو لم يتدخل ترامب، لكانت الاحتجاجات قد تجددت في إيران من تلقائها، بسبب الأوضاع المعيشية المستفحلة، وبسبب نقص التأييد الشعبي للنظام، الذي يعتبر في أضعف حالاته منذ ثورة العام 1979. وحتى لو استمرت المفاوضات غير المباشرة كما كان مقرراً في جولة رابعة بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، لكان تم التوصل إلى اتفاق نووي. وهذا ما يؤكده الوسيط العماني وزير الخارجية بدر البوسعيدي، الذي لم يسعه إلا التوجه إلى المسؤولين الأميركيين، بعد تساقط القنابل على طهران، قائلاً:”هذه ليست حربكم”.
وكتبت داليا داسا كاي في مجلة “فورين أفيرز” الأميركية، أن “حرب إيران لن تعيد تشكيل الشرق الأوسط، وفق ما يريد ترامب”.
والسؤال البديهي الذي يطرح في مثل هذه الأزمات التاريخية: ما العمل الآن للخروج من المأزق؟ وبينما يلوح شبح ورطة أميركية جديدة في الشرق الأوسط، هناك في الصين من يفرك يديه فرحاً!



