
كتب سميح صعب في موقع 180 بوست التالي : تمنح الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ومساراتها المتغيرة، صدقية لمقولة الماريشال الألماني إيرفين رومل (ثعلب الصحراء) إبّان الحرب العالمية الثانية، بأن "كل الخطط العسكرية الموضوعة مسبقاً، تصبح غير قابلة للتطبيق فور بدء الحرب".
أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن تكون الحرب، تجسيداً مثالياً لعقيدته السياسية القائمة على تحقيق السلام من خلال القوة. وفي مستهل الأسبوع الرابع لـ”الغضب الملحمي”، ما يزال ترامب يفتقر إلى استراتيجية خروج، ويجد نفسه أمام خيارات صعبة، وهو الرجل النرجسي الذي يكره نقد الذات أو الاعتراف بارتكاب الأخطاء.
تتبدى أمام ترامب تحديات كبيرة في حرب لا تحظى بشعبية في الداخل، وينأى عنها حلفاء أميركا التقليديون في الخارج، ولا يستطيع أن يُحدّد سقفاً زمنياً لها، برغم تكراره أن أميركا انتصرت فيها، ودمّرت البرنامج النووي لإيران، وكذلك بحريتها وبرنامجها الصاروخي، وإن كان هذا التعظيم للانجازات لا يستقيم مع تقويم الاستخبارات الأميركية بأن النظام هناك منهك لكنه ما يزال متماسكاً. بينما إغلاق إيران لمضيق هرمز، يبقي أسعار النفط فوق الـ110 دولارات وسط توقعات بتجاوز عتبة الـ180 دولاراً في نيسان/أبريل المقبل، إذا لم يتسنَ فتح المضيق أمام ناقلات النفط. بديهي، أن النظام الذي فقد مرشده الأعلى السيد علي خامنئي في الضربات الأولى للحرب، ومن بعد ذلك أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني وعشرات آخرين من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، فضلاً عن الخسائر في البنى التحتية العسكرية والاقتصادية، هو نظامٌ يمر بأدق مراحله منذ العام 1979.
برغم ذلك، فإن أميركا وإسرائيل، أكثر اقتناعاً بعد ثلاثة أسابيع من الحرب، بأن الحملة الجوية وحدها، ليست كفيلة باسقاط النظام، ويحملهما على التفكير إما بوقف الحرب عند مرحلتها الحالية، أو تصعيدها نحو خيارات تُحتّم النزول على البر الإيراني، مع كل المحاذير المترتبة على ذلك.
حرب إيران.. حرب الطاقة
سار دونالد ترامب إلى الحرب، واثقاً من خلوها من المخاطر، ولهذا شبّهها بـ”رحلة قصيرة” ليس أكثر. وفي مواجهة المأزق الذي صنعه قراره المتهور، يقول اليوم إنه لم يكن يتوقع أن تلجأ إيران إلى قصف بنى تحتية نفطية ومدنية في دول الخليج، مما جعل الذعر يدبُ في أوصال الأسواق العالمية ودفع أسعار الوقود إلى الارتفاع حتى داخل الولايات المتحدة التي لا تستورد ليتراً واحداً من نفط الخليج.
وحتى لو توقفت الحرب اليوم أو غداً، فإن الأسعار لن تعود إلى ما كانت عليه في 27 شباط/فبراير، قياساً بتجربة الصدمة النفطية في 1973، عندما ارتفعت الأسعار أربعة أضعاف، ولم تعد إلى مستواها السابق، حتى بعد رفع الحظر الذي فرضته “أوبيك” على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، بسبب دعمها لإسرائيل في الحرب العربية-الإسرائيلية عامذاك.
حرب الطاقة التي فجّرتها إيران، كمعادل للتفوق الجوي للولايات المتحدة وإسرائيل، هي الأكثر تحكماً بقرارات ترامب وتصريحاته. أحياناً يعلن اعتزامه خفض العمليات العسكرية، لكنه يعد العدة في الوقت عينه لاحتمال السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، التي تُصدّر منها إيران 90 في المئة من نفطها إلى العالم، ويُعزّز القوات الأميركية في الشرق الأوسط بآلاف آخرين من جنود “المارينز”.. والغرض من السيطرة على جزيرة خرج، الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز.
وأحياناً أخرى، يتنصل ترامب من مسؤولية فتح المضيق، لأن الولايات المتحدة لا تستورد عبره ليتراً واحداً من الوقود، ويرمي بالمسؤولية على حلف شمال الأطلسي والصين واليابان وكوريا الجنوبية. ولا يتوانى عن تقريع الحلفاء لأنهم رفضوا صراحة تلبية طلبه. وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستريوس بوضوح: “هذه ليست حربنا، لأننا لم نُستشَر قبل شنّها”.
يرد ترامب بحنق على حلف شمال الأطلسي، ويعتبره “نمراً من ورق” من دون أميركا، وأن مستقبله “سيكون سيئاً جداً”. وينتظر الحلفاء الآن، كيف سيرد ترامب على عزوف الحلفاء عن نجدته. هل يسحب الولايات المتحدة من الأطلسي؟ هل يوقف الدعم العسكري لأوكرانيا؟ هل ينفتح أكثر على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيعفي روسيا من العقوبات الأميركية؟ هل ينتقم من الحلفاء برفع الرسوم الجمركية مجدداً أو برفع الحماية العسكرية عن اليابان وكوريا الجنوبية؟
في مواجهة هكذا أسئلة مصيرية، سعى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى تحييد نفسه بخطوة استرضائية، تمثلت في إرسال 200 خبير أوكراني في تعقب المسيّرات، إلى الشرق الأوسط، لمساندة الولايات المتحدة ودول الخليج العربي. وأكثر ما يثير غضب ترامب، هو رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بسبب خروج الأخير عن مألوف المشاركة في معظم الحروب الأميركية بلا تردد.
ويُكرّر الرئيس الأميركي أن ذلك حدث، لأنه لا يوجد ونستون تشرشل الآن في بريطانيا. وهنا، يغيب عن بال ترامب القول المأثور لتشرشل: “إن الأسوأ من القتال إلى جانب الحلفاء هو القتال من دونهم”. وقبل أن يذهب جورج بوش الأب إلى الحرب لطرد صدام حسين من الكويت عام 1991، بنى إئتلافاً من 35 دولة. أما ترامب فاكتفى بإسرائيل، وتجاهل كل حلفاء أميركا التاريخيين في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
ببساطة، هزمت الطاقة ترامب، وتنذر بخسارة مدوية للجمهوريين في الانتخابات النصفية. احتمالٌ مثل هذا، يعني انتهاء حقبة الترامبية، وبالتالي يفتح الطريق أمام الديموقراطيين لاستعادة البيت الأبيض في 2028.
ولهذا ينأى نائب الرئيس جي. دي. فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، بنفسيهما قدر الإمكان عن الظهور الإعلامي والترويج للحرب، على عكس وزير الحرب بيت هيغسيث. فانس وروبيو، هما المرشحان الأوفر حظاً لنيل ترشيح الحزب الجمهوري في 2028.
ترجمة الحرب.. سياسياً!
في هذه الأثناء، تتصاعد الانتقادات للحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران حتى داخل قاعدة ترامب من اليمين المتطرف، وفي مقدمهم الإعلامي الأميركي المشهور تاكر كارلسون، الذي يتهم إسرائيل بجر قدم ترامب إلى الحرب. وتعزز هذا الاتجاه باستقالة مدير المكتب الوطني لمكافحة الإرهاب جوزف كينت قبل أيام، احتجاجاً على “خوض حرب بناء على دعوة من إسرائيل وجماعات الضغط الموالية لها في الولايات المتحدة”. وهناك جدل مفتوح الآن وتساؤلات في الولايات المتحدة تُشكّك في سردية ترامب حول قدرة إيران على صنع قنبلة نووية في غضون أسبوعين، بعدما كان هو نفسه أكد في حزيران/يونيو الماضي “محو” البرنامج النووي الإيراني بفعل الضربات الأميركية لمنشآت فوردو ونطنز وأصفهان.
ترامب، وبحسب مدير مشروع إيران في المجلس الأطلسي نيت سوانسون، “سيجد نفسه قريباً في مواجهة خيار مضاعفة جهوده في حرب لا تحظى بشعبية أو وضع حد لها… ولا تحتاج إيران إلى تحقيق نجاحات عسكرية كبيرة كل يوم. ويحتاج النظام فقط إلى إلحاق أضرار دورية كافية لإبقاء الشركاء الإقليميين والأسواق والرأي العام الأميركي في حالة من التوتر”.
كما أن وقف الحرب في هذه المرحلة، سيترك الشرق الأوسط في حالة من الفوضى العارمة، إلا إذا ذهب ترامب نحو اتفاق مع النظام الإيراني، الأمر الذي يعارضه بشدة نتنياهو، ويفضل وقف الحرب من دون اتفاق، على غرار ما جرى في حزيران/يونيو، كي يكون في امكانه تطبيق سياسة “جز العشب” في إيران كل فترة، على غرار ما يُطبّقه في غزة والضفة الغربية ولبنان.
الصورة : (نقلا عن 180 بوست)
أما ترامب فقد يكون أكثر ميلاً إلى إبرام اتفاق مع النظام الإيراني في حال وافقت طهران على فتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، بما ينعكس هدوءاً في أسواق الطاقة. لكن هذا يتطلب منه كبح جماح نتنياهو من شن هجمات في المستقبل.
هل يستطيع ترامب ترجمة الانجازات العسكرية، إلى انجازات سياسية واستراتيجية؟
هذا غير مؤكد حتى الآن، طالما أن النظام الإيراني لم يستسلم لشروطه وما دام قادراً على تغيير قواعد اللعبة في المنطقة. هو نظامٌ أكثر تشدداً اليوم من أي وقت مضى، وأكثر اقتناعاً بأن النموذج الكوري الشمالي هو الكفيل بجعله يستعيد الردع. أما الأمر الذي يُقلق أميركا وإسرائيل أكثر من النفط، فهو الغموض الذي يُحيط بمصير 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وهي كمية صالحة لصنع عشرة رؤوس نووية.
وأمام هذا الطريق المسدود، تُحذّر مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، من أنه “إذا استمرت الحرب، وأدت إلى ارتفاع أسعار النفط وتراجع أسواق الأسهم، فقد يبحث ترامب عن مخرج وعن فوز في مكان آخر، في كوبا على سبيل المثال”!
