
المحامي سعيد بوعقل
واهم من يعتقد أن غالبية اللبنانيين لا تتأثر بما يتعرض له الجنوب من دمار وتهجير ومعاناة، أو أن حملات التحريض والانقسام نجحت في اقتلاع الشعور الوطني من نفوس الناس.
وما يدفعني إلى هذا القول ليس تحليلاً سياسياً ولا قراءة إعلامية، بل مشاهد عشتها بنفسي في مناسبات اجتماعية دعيت إليها في مناطق لبنانية مختلفة، بعضها يُفترض أنها محسوبة سياسياً على بيئات تختلف جذرياً مع المقاومة وخياراتها.
لكن ما إن يبدأ أحد الحاضرين بطلب أغنية عن الجنوب، حتى يتغير المشهد كله. فجأة ترتفع الأصوات، وتدب الحماسة في النفوس، ويتفاعل الحضور على نحو يجعلك تشعر بأن الأغنية لم تعد مجرد كلمات ولحن، بل تحولت إلى مساحة لقاء وطني عفوي تتجاوز السياسة والانقسامات.
عندها تدرك أن هناك شيئاً أعمق من كل السجالات اليومية. شيئاً ما زال يسكن وجدان اللبنانيين، اسمه الانتماء إلى وطن واحد، والألم لأوجاع جزء منه، والفرح لصموده.
قد تبدو هذه الوقائع بسيطة للبعض، لكنها في نظري ليست كذلك. فصمود الأوطان لا يُبنى فقط بالسلاح أو بالسياسة، بل أيضاً بوجود عصبية وطنية جامعة تعجز الانقسامات عن اختراقها.
ولهذا السبب أشعر بالاطمئنان كلما رأيت هذه المشاهد. لأن العدو قد ينجح في تدمير الحجر، وقد تنجح الخلافات في تعكير العلاقات بين الناس، لكن ما دام في لبنان هذا القدر من الوجدان الوطني المشترك الذي تحركه أغنية صادقة أو قضية عادلة، فلا خوف على لبنان.
فالأوطان التي ما زال أبناؤها يجتمعون حول نبض واحد، مهما اختلفوا، هي أوطان تملك دائماً اسباب البقاء.
