
كتبت "صحيفة الاخبار" التالي : وقاحة سلطة الوصاية ما بعدها وقاحة. لكنّ الأنكى، أنها تسير بوعي وإدراك وتصميم، نحو إدخال البلاد في مشكلة كبيرة، فقط لأجل إرضاء غرور رئيس الجمهورية جوزيف عون، ونزولاً عند عناد رئيس الحكومة نواف سلام. حيث برزت في الساعات الأخيرة مجموعة من التطورات، التي تشير إلى احتمال حصول مشكلة كبيرة، مع تبلّغ لبنان مقترحاً نقله الأميركيون عن الجانب الإسرائيلي، حول إطلاق العمل بـ«اختبار قدرة الجيش اللبناني على تحقيق مستلزمات تثبيت السلطة الحصرية في مناطق تجريبية، وُزّعت على عدد من القرى الواقعة شمال أو جنوب نهر الليطاني».
لكنّ الخطوة التي تتطلّب إجراءات عسكرية من الجيش، تحتاج إلى تنسيق كبير مع المقاومة على الأرض، وهو أمر لا يهتم له عون وسلام، بينما تحاول الولايات المتحدة الضغط ليس على السلطة فقط، بل على قيادة الجيش من أجل السير في خطوات يعرف الجانب العسكري في الولايات المتحدة أنها غير قابلة للصرف. وهو ما يتسبّب بمشكلة، ستكون محور مناقشات بين وفد من القيادة الوسطى الأميركية (السنتكوم) والجهات العسكرية والأمنية والسياسية في لبنان.
وبينما كان عون وسلام، يعوّلان على توفير غطاء سياسي داخلي للسير في «اتفاق العار»، كشف مرجع سياسي لـ«الأخبار» أن عون وبعد التشاور مع الأميركيين، قرّر عدم إحالة اتفاق – الإطار إلى مجلس الوزراء، معتبراً أنه لم يصل بعد إلى مستوى الاتفاق، وبالتالي فهو لا يزال يخضع لصلاحياته كمفاوض بحسب المادة 52 من الدستور. وقد وافقه سلام الرأي، معتبراً أن الحملة على الاتفاق لا أساس لها طالما لا يزال في إطار التفاهمات.
لكنّ حقيقة الأمر، لا تتعلق بوجهة التصويت في الحكومة، حيث يُفترض بعون وسلام أنهما يضمنان أغلبية الأصوات في مواجهة أي اعتراض من جانب الثنائي أمل وحزب الله، لكن تبيّن لهما مع الوقت، أن الوزير فادي مكي قد لا يشارك في الجلسة، وأن الوزيرين طارق متري وغسان سلامة أبلغا رئيس الحكومة اعتراضهما على صيغة الاتفاق، فيما وصلت إلى عون معلومات عن أن وزيرَي الأشغال والزراعة اللذين يمثّلان النائب السابق وليد جنبلاط قد يلجآن إلى التصويت ضد الاتفاق ربطاً بموقف جنبلاط، أو أن يغيبا عن جلسة الحكومة.
وإلى جانب جهود عون المُكثّفة من الجانبين الأميركي والسعودي من أجل منع بروز معارضة كبيرة للاتفاق في الحكومة، فهو وجد أنه من الأفضل له، عدم إحالة الملف من أصله إلى نقاش خارج الإطار الضيق الذي يخصّه وحده، حيث يعلم الجميع أن سلام ليس مشاركاً في الاتصالات ولا في المفاوضات. لكنّ الخطير في ما يقوم به عون، هو أنه قرّر الذهاب إلى روما من أجل المشاركة في اجتماعات تهدف إلى وضع الإطار التنفيذي للاتفاق قبل إقراره من الحكومة، علماً أن عون، الذي سمع أن قيادة الجيش تحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء يصادق على الاتفاق حتى تشرع في تنفيذه، قرّر أن الجيش ليس معنياً بمصدر الجهة التي تصدر القرار، مكرّراً أن مُقرّرات مجلس الوزراء الصادرة طوال الفترة الماضية، توجب على الجيش تنفيذ الخطوات بمعزل عن اتفاق واشنطن.
وفي السياق، علمت «الأخبار» أن آخر عرض قدّمه العدو إلى لبنان بواسطة الجانب الأميركي، تضمّن أن تكون المناطق التجريبية مؤلّفة في المرحلة الأولى من منطقتين. الأولى تخصّ زوطر الغربية وزوطر الشرقية شمال نهر الليطاني، وقرى الغندورية وفرون وقلاويه وبرج قلاويه الواقعة جنوب نهر الليطاني. وبحسب المُقترح الإسرائيلي، فإن على الجيش اللبناني الدخول إلى هذه المناطق والشروع في عملية نزع وتفكيك كل البنى العسكرية للمقاومة، وضمان عدم بقاء أي عنصر من حزب الله فيها. وبعد قيام فريق أميركي (بالتنسيق المباشر ومن خلال تقنية الفيديو) بالتثبّت من تنفيذ الجيش للأمر، تعمد قوات الاحتلال إلى إعلانها مناطق «آمنة خالية من أي وجود عسكري إسرائيلي وخارج أي سيطرة نارية إسرائيلية».
عملياً، يعرف الجيش كما سلطة الوصاية، بأن المناطق التي يعرضها العدو، يوجد في قسم صغير منها قوة احتلال محدودة العدد والعُدّة، فيما بقيت المساحة مناطق مُحرّرة. ولكنّ العدو اختار عملياً المناطق التي فشل في احتلالها خلال الحرب، وهو يريد في المقابل من الجيش إزالة كل ما له علاقة بالمقاومة في تلك المنطقة، من مُنشأة علي الطاهر وكل المواقع أو المنازل أو البنى التحتية التي يقول العدو إن المقاومة تتواجد فيها أو استخدمتها في هذه البلدات وفي الأودية المحيطة أو القريبة منها.
وكان عون واصل أمس استقبال القوى والشخصيات بناءً على طلب الموفد السعودي يزيد بن فرحان، وقام قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع على رأس وفد ضمّ نواب حزبه بزيارة إلى القصر الجمهوري، لإظهار الدعم لما يقوم به عون في ملف التفاوض، وقد ردّ الأخير بأنه مستمر في مساره وأنه يتوقع أن تتحقّق نتائج قريبا مستنداً إلى دعم أميركي.
«تضييق الخناق» على بعلبكي
كشفت مصادر مطّلعة على التدخلات الأميركية – السعودية في تفاصيل عمل إدارات الدولة العسكرية والأمنية والقضائية، أن واشنطن أبلغت جهات نافذة في بيروت، أنها في صدد مراجعة لائحة بأسماء شخصيات شيعية تعمل ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية، من أجل فرض عقوبات على كل من يشتبه في أنه يقيم علاقات سياسية أو حتى اجتماعية مع أي شخصية تمّ وضعها على لائحة العقوبات. وقالت المصادر إن الجانب الأميركي سوف يتقدّم خطوة في سياسة الحصار المفروضة على الثنائي أمل وحزب الله، من خلال قرار سيتم إبلاغه بطرق مختلفة إلى «من يعنيهم الأمر» بالإجراءات الجديدة.
وبحسب المعلومات فإن آخر التعليمات التي أعطيت لمسؤولين في مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، أن يعتذروا عن عدم الاجتماع بأي مسوؤل أمني أو عسكري من حزب الله، وكذلك التوقف عن التواصل مع مساعد الرئيس نبيه بري الحاج أحمد بعلبكي، وأن يتم إبلاغ الضباط في الجيش بضرورة الالتزام بهذه التوجيهات. وتكفّلت جهات أمنية في السفارة الأميركية في بيروت، بأن تتواصل مع المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي من أجل إبلاغ فرع المعلومات في قوى الأمن والمديرية العامة للأمن العام بالتوجيهات نفسها، على أن يتم إبلاغ قيادة جهاز أمن الدولة بذلك أيضاً.
وتركّز السفارة الأميركية على عزل بعلبكي عن أي اتصال ليس بالضباط والأمنيين فقط، بل حتى بالقضاء والموظفين في وزراتي الدفاع والداخلية. ونُقل عن مسؤول في عوكر قوله إنه «يوجد إلى جانب رئيس المجلس، مستشارون يمكن التواصل معهم في حال اقتضت الحاجة، لكن لا يمكن التواصل مع مستشارين أو سياسيين في حركة أمل من الذين تمّ وضعهم على لائحة العقوبات». وقال الأميركيون إن خطوتهم هذه مُنسّقة مع سفارات أخرى في لبنان، خصوصاً مع السفارة السعودية.
الصورة : (مروان بو حيدر)
