
المحامي سعيد بوعقل
كنت في السادسة والعشرين من عمري حين بدأت أتردد إلى دارة النائب الراحل سمير عازار. يومها، كنت لا أزال طالباً على مقاعد الدراسة في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، وكان الخجل يغلب على طبعي في بداياتي، فأستمع أكثر مما أتكلم. ولعل ذلك أتاح لي أن أحفظ كثيراً مما كنت أسمعه منه، وأن أعود إليه بالتفكير كلما تقدمت بي التجربة في العملين العام والسياسي.
ومن أكثر العبارات التي كان يرددها:
«اسمعوا جيداً: التاريخ، في جزين وفي غيرها، لا يبدأ بشخص، ولا ينتهي بغياب آخر».
لم تكن تلك العبارة مجرد حكمة تتردد في المجالس، بل كانت قاعدة اعتمدها الراحل في تعامله مع جزين وعائلاتها وقواها السياسية. فقد كان يعترف بأن للمدينة رجالات وزعماء سبقوه إلى تمثيلها وخدمتها، ومن بينهم من نافسه أو حاربه سياسياً، من دون أن يدفعه ذلك إلى إنكار فضلهم أو محاولة محو تاريخهم.
وخلال سبعة عشر عاماً كان يتمتع فيها بنفوذ واسع في الشأن الجزيني، لم يتعامل مع المدينة على أنها ملك لفريقه، ولم يسع إلى إلغاء العائلات السياسية الأخرى أو حرمانها من التمثيل. بل كان حريصاً، في الانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية، على أن يكون للعائلات والبيوت السياسية التاريخية حضورها، إيماناً منه بأن جزين أكبر من أي شخص، وأوسع من أي حزب أو تيار.
غير أن هذه الثقافة تعرضت لاحقاً لانتكاسة حقيقية، حين دخل الخطاب السياسي في مرحلة ارتفع فيها منسوب العصبيات، وأصبحت شرعية بعض القوى تبنى على مهاجمة من سبقها والتقليل من شأنه، لا على تقديم نموذج أفضل منه.
وهكذا، تعرض سمير عازار لحملات قاسية اتهمته بالتبعية وبمصادرة قرار جزين، كما جرى تجاهل ما حققه للمنطقة من مشاريع حيوية وإنمائية، وكأن المطلوب لم يكن تقييم تجربته بإنصاف، بل شطبها من الذاكرة العامة.
وفي المرحلة نفسها، لم أسلم شخصياً، بصفتي رئيساً لبلدية جزين ورئيساً لاتحاد بلدياتها، من الحملات ذاتها، بالرغم مما أنجزناه في خدمة المدينة والمنطقة. وعندما تبدلت الإدارة البلدية، تجلت عقلية القطيعة في التعرض لعدد من إنجازات البلدية السابقة ،لا لعيب ثبت فيها أو لانتفاء فائدتها، بل لأنها ارتبطت بعهد سابق وحملت بصمات من تولوا المسؤولية قبله.
ولم تكن المشكلة يومها في اختلاف سياسي مشروع، فالتداول والاختلاف من طبيعة الحياة العامة، بل في الاعتقاد بأن كل ما أنجزه السابقون يجب أن يلغى أو يهدم لمجرد أنه لم يبدأ في العهد الجديد. وهي عقلية لا تضر بالأشخاص الذين تستهدفهم بقدر ما تضر بالمدينة نفسها، لأنها تبدد المال والجهد، وتعطل استمرارية المؤسسات، وتحرم الناس ثمرة أعمال كان يفترض الحفاظ عليها وتطويرها.
ومع مرور السنوات، أثبتت التجربة أن سياسة الإلغاء لا تبني مدينة، وأن مهاجمة الماضي لا تعوض العجز عن صناعة المستقبل. فالإنجازات لا تفقد قيمتها بتبدل العهود، والمشروع النافع لا يصبح سيئاً لأن خصماً سياسياً هو من أطلقه، كما أن المدينة لا تتقدم إذا أعاد كل مسؤول جديد مسيرتها إلى نقطة الصفر.
ثم جاء الاستحقاق البلدي الأخير ليقدم درساً مختلفاً. فقد حصل تقارب بين قوى كانت على خصومة سياسية طويلة، إذ جرى التقارب بين التيار الوطني الحر وبين تيار الاعتدال الذي يمثله اليوم النائب السابق المحامي إبراهيم سمير عازار، بعدما أدرك الجميع أن مصلحة جزين تستوجب التعاون، لا استمرار القطيعة.
وهنا ظهرت جليا بصمة مدرسة لا تجعل من الإساءة القديمة سبباً لخصومة دائمة، بل تحفظ الكرامات والحقوق، لكنها لا تجعل الجراح الشخصية عائقاً أمام المصلحة العامة.
فقد اختار إبراهيم عازار، انطلاقاً من اقتناعه بأن التاريخ لا يبدأ به ولا ينتهي عنده، أن ينسج تحالفاً مع قوى سبق أن واجهت والده وتياره السياسي بقسوة. ولم يتعامل مع الماضي بروح الانتقام، بل برؤية تقوم على أن جزين لا يمكن أن تبنى إلا بالشراكة، وأن الاعتدال الحقيقي يختبر عند القدرة على تجاوز الأذى الشخصي، من دون التخلي عن الكرامة أو المبادئ.
وقد أفضى هذا التحالف إلى مجلس بلدي مشترك، وإلى وصول رئيس جديد انتهج، أسلوباً منفتحاً ومتعاونا،مختلفاً عن أسلوب القطيعة والإلغاء. وهذا أمر ينبغي الاعتراف به وتشجيعه، لأن الهدف ليس الغرق في نزاعات الماضي، بل استخلاص العبر مما حصل حتى لا تتكرر تلك الأخطاء.
فالاعتراف بأن مرحلة سابقة شابتها أخطاء لا يعني تحميل شخص تبعات أعمال غيره، كما أن التعاون الحالي لا يقتضي محو الذاكرة أو إنكار الوقائع. المطلوب هو قراءة الماضي بصدق وإنصاف، ثم الانطلاق منه إلى مستقبل أفضل.
إن ما حصل في جزين دفع الجميع ثمنه. خسرنا وقتاً ومشاريع وفرصاً كان يمكن الحفاظ عليها وتطويرها، واستنزفت المدينة في صراعات لم تحقق لها مكسباً حقيقياً. إلا أن التقارب الذي حصل أخيراً يمكن أن يشكل بداية تصحيح، شرط أن يقوم على احترام تاريخ المدينة، والاعتراف بفضل كل من خدمها، ورفض سياسة إلغاء الآخرين.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى جميع القوى السياسية والحزبية والعائلية في جزين هي أن لا أحد يستطيع احتكار تاريخها، ولا أحد يملك وحده حاضرها أو مستقبلها. لكل مرحلة رجالها، ولكل عهد إنجازاته وإخفاقاته، والحكمة تقتضي أن نحافظ على النافع، وأن نصحح الخطأ، وأن نكمل ما بدأه من سبقنا، لا أن نهدمه لمجرد أنه لم يبدأ بأيدينا.
لقد قدم إبراهيم عازار، بقبوله هذا التقارب، مثالاً على المعنى الحقيقي للاعتدال: حفظ الكرامة من دون ثأر، والتمسك بالمبادئ من دون إلغاء، وتقديم مصلحة جزين على الحسابات الشخصية.
وهذا هو الدرس الذي تعلمته منذ شبابي من سمير عازار، وأثبتت الأيام صحته:
التاريخ لا يبدأ بشخص، ولا ينتهي بغياب آخر. أما من يترك أثراً في حياة الناس، فإن إنجازه يبقى جزءاً من ذاكرة المدينة، مهما تبدلت العهود وتغيرت التحالفات.
فلنتعلم من الماضي، لا لنفتح جراحه، بل لنتجنب أخطاءه. ولنجعل من التقارب الحالي فرصة حقيقية لبناء جزين، لا هدنة عابرة بين المتخاصمين. فالمدينة تستحق أن يكون أبناؤها شركاء في خدمتها، وأن يتنافسوا على ما يضيفونه إلى تاريخها، لا على ما يمحونه من تاريخ بعضهم بعضاً
