
أُقيمت في ساحة الشهداء في مدينة صيدا وقفة احتجاجية استنكارًا للاستهداف الممنهج للتراث الثقافي الوطني والمؤسسات التعليمية والإنسانية في لبنان وغزة، وحفاظًا على الأرض والهوية، تخللتها كلمات بالمناسبة، إلى جانب معرض للصور وثّق حجم الدمار والاستهداف الإسرائيلي الذي طال المؤسسات التعليمية والإنسانية والمعالم التراثية والثقافية في لبنان وغزة.
شارك في النشاط الذي اقيم بدعوة من المنظمات الطلابية والشبابية اللبنانية والفلسطينية في صيدا والجوار، عدد من الفاعليات السياسية والبلدية والاجتماعية والثقافية والتربوية والشبابية، واستُهل بالنشيدين الوطنيين اللبناني والفلسطيني، ثم الوقوف دقيقة صمت حدادًا على أرواح الشهداء.
وكانت الكلمة الأولى لعريف النشاط الأستاذ حسن إسماعيل، الذي قال:
«نقف اليوم وقفة عز وإباء، مجتمعين ومتضامنين ومتكافلين في هذه المدينة المقاومة، بشعبها وأهلها ومنظماتها ومؤسساتها الثقافية والاجتماعية، لنقول للعالم أجمع إننا متمسكون بأرضنا وهويتنا، وبنهج المقاومة في مواجهة كل من يحاول سلبنا أرضنا وانتزاع إرثنا الثقافي والنضالي المتجذر في هذه المنطقة».
وأضاف: «رغم كل الجراح، لن نتراجع عن حقنا في أرضنا، لأنها ملاذنا الأول والأخير، ولأن التمسك بها هو تمسك بتاريخنا وهويتنا وذاكرتنا. وما وقفتنا اليوم إلا صرخة واضحة في وجه الاستهداف الممنهج لإرثنا الثقافي، وتأكيد على أن هذا الإرث سيبقى حيًا ومتجذرًا في هذه الأرض، مهما اشتدت التحديات ومهما حاول البعض طمس معالمه».
عفارة: الشباب أمام مسؤولية وطنية في مواجهة التحديات
وألقى علي عفارة، ممثلًا التنظيم الشعبي الناصري، كلمة المنظمات الشبابية اللبنانية، فقال:
«أيها الحاضرون الأحرار، يا شباب فلسطين ولبنان، يا نبض الساحات والميدان، يا شامخي الرأس والكرامة والعنفوان، ويا غصن الزيتون المتشبث بأرضه رغم الآلام، تبقى تضحيات الشهداء المقاومين والمدافعين عن الأرض والحقوق مشعل أمل ونصر وحرية».
وأضاف: «أقف بينكم اليوم باسم المنظمات الطلابية والشبابية اللبنانية والفلسطينية، وفي طليعتها شباب وطلاب التنظيم الشعبي الناصري، لنرفع معًا صرخة الحق في وجه ما تقترفه آلة الحرب من انتهاكات بحق الإنسان، في وقت تقف فيه المنظمات الإنسانية والحقوقية والدولية عاجزة عن تحقيق العدالة».
وتابع: «إن ما يشهده جنوبنا الأغر، وما يجري في غزة والضفة الغربية، ليس مجرد عدوان عابر، بل هو فصل من صراع طويل مع العدو الإسرائيلي، وإيماننا راسخ بقضية فلسطين باعتبارها قضية مركزية، وصولًا إلى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف».
وأشار إلى أن ما يقوم به الاحتلال يهدف، بحسب تعبيره، إلى «اقتلاعنا من أرضنا، ومحو تاريخنا، وطمس هويتنا، وتدمير حضارتنا ومستقبل أجيالنا، والسيطرة على ثرواتنا من أجل تحقيق مشروعه الاستعماري التوسعي في المنطقة، القائم على لغة النار والدماء».
وقال عفارة: «إن لغة الأرقام الصادمة تفضح حجم هذا الاستهداف؛ ففي جنوب لبنان وحده، أقدم العدو الإسرائيلي على مسح وتدمير أكثر من 60 قرية وبلدة تراثية بالكامل، مستهدفًا المعالم التاريخية، ومنها أسواق النبطية القديمة وآثار مدينة صور المحمية دوليًا. كما دمر الاحتلال أكثر من 350 مؤسسة تربوية وثقافية وناديًا، سعيًا منه إلى تجهيل الأجيال وكسر إرادة الوعي والصمود، فيما تجاوز عدد الشهداء 4100 شهيد من أبناء الوطن، إضافة إلى آلاف الجرحى».
وأكد أن «الاستنكار لم يعد كافيًا»، مطالبًا الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولياتها كاملة، والعمل على وقف الاعتداءات المتكررة، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم، وإعادة إعمار ما دمرته الاعتداءات، معتبرًا ذلك «واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا».
وأضاف: «إننا، كطلاب وشباب، مطالبون اليوم، وفي هذا الظرف الاستثنائي، بالسير وفق خارطة طريق عنوانها الوعي والمسؤولية الوطنية المشتركة. ونحن على ثقة بأننا نستطيع أن نؤدي دورًا محوريًا في مواجهة التحديات، فلا نهضة لمجتمع ولا تقدم لوطن من دون مشاركة أبنائه في الدفاع عن كرامته والمساهمة في القرارات المصيرية».
وتابع: «يحاولون مسح الجغرافيا، وسنرد بتثبيت الجذور. يحاولون تدمير المدارس والجامعات، وسنبني المزيد، ونُعد جيلًا من العلم والثقافة والصمود والنجاح. ويحاولون ضرب القيم الأصيلة والمجتمعات عبر إعلام مأجور ومشاريع فتنوية مذهبية، وتدمير أحلام الشباب ومستقبلهم».
وأشار إلى أن «الشباب العربي وأحرار العالم يراهنون على التغيير، وهذا لا يتحقق إلا من خلال مشروع نهضوي قومي، بالتعاون مع أحرار العالم، للتصدي لمشاريع الاستعمار وسياسات الأحلاف التي تسعى إلى مزيد من تقسيم وتفتيت أقطارنا العربية والإسلامية».
وختم عفارة كلمته مستشهدًا بقول منسوب إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر: «إن الحق بغير قوة ضائع، وإن السلام بغير قوة استسلام، وما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة»، وبالمقولة المنسوبة إلى عمر المختار: «نحن شعب لا نستسلم، ننتصر أو نموت».
ووجّه التحية إلى أبناء القرى الصامدين والصابرين على جراحهم، مؤكدًا: «المجد والخلود للشهداء الأبرار، والشفاء للجرحى، والحرية للأسرى».
جانا: الاستهداف واحد والرد يكون بالصمود والوحدة والوعي
بدوره، ألقى حسن جانا، ممثل اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني «أشد»، كلمة المنظمات الشبابية الفلسطينية، فقال:
«نجتمع اليوم في صيدا الصامدة، بوابة الجنوب، لنقف وقفة عز وشموخ في وجه الاستهداف الممنهج الذي يطال أهلنا في فلسطين وفي جنوب لبنان؛ مع غزة التي تتعرض للقصف، ومع الضفة الغربية التي تواجه الحصار والاعتداءات، ومع قرانا في الجنوب التي تُستهدف أرضها ومدارسها وسكانها».
وأضاف: «إن ما يجري اليوم ليس صدفة ولا مجرد ردة فعل، بل هو استهداف ممنهج بهدف كسر الإرادة ومحو الهوية. ففي فلسطين تُهدم البيوت، وتُقتلع أشجار الزيتون التي زرعها الأجداد، وتُستهدف الثقافة ويُزوّر التاريخ».
وتابع: «وفي جنوب لبنان تُستهدف القرى والحقول والبساتين والمراكز الحيوية، ويُهدد أهلنا بالتهجير من جديد. العدو واحد والجرح واحد، والرد يجب أن يكون واحدًا: صمود ووحدة ونضال مستمر».
وأشار جانا إلى استهداف القطاع التعليمي، قائلًا: «في فلسطين دُمرت جامعات ومعاهد ومدارس، وفي غزة استُهدفت مدارس لجأ إليها النازحون، وفي الضفة الغربية تعرّضت العملية التعليمية للتعطيل نتيجة الحواجز والاعتداءات».
وأضاف: «وهنا في جنوب لبنان، كم مدرسة في الخيام وكفركلا وبنت جبيل وعيترون استُهدفت؟ وكم طالبًا حُرم من مقعده الدراسي لأن القذيفة سبقت الجرس؟ يريدون جيلًا بلا علم، لأنهم يعرفون أن القلم الواعي والمناضل قادر على مواجهة مشاريع الطمس والتجهيل. لكننا نعاهدهم اليوم: كل مدرسة تُقصف سنعيد بناءها، وكل جامعة تُدمّر ستخرّج أجيالًا جديدة من المتعلمين، وكل طالب يُستشهد سيبقى حاضرًا في ذاكرة زملائه ووطنه».
وتطرق إلى استهداف التراث والهوية، فقال: «في فلسطين تُستهدف عناصر التراث والهوية، وتُهدم المساجد والكنائس التاريخية في غزة، وتُطمس معالم الذاكرة الوطنية. وفي جنوبنا استُهدفت مواقع ومعالم أثرية، وقُصفت الأبنية القديمة ودُمرت معالم تحكي تاريخنا».
وأضاف: «يريدوننا بلا ذاكرة، بلا جذور، بلا ماضٍ نحتمي به. لكن تراثنا ليس حجرًا يُهدم؛ تراثنا هو الطفل المتمسك بحق عودته في ساحات المخيم، وهو مفتاح العودة المعلّق في كل بيت، وهو حكاية الجنوبي الذي ناضل، والفلسطيني الذي صمد وكافح».
وشدد جانا على دور الشباب، قائلًا: «دورنا نحن الشباب أن نكون صوتًا حاضرًا في معركة الوعي، وأن نكشف التزوير ونواجه الروايات التي تستهدف تاريخنا وهويتنا، فالمعرفة سلاح لا يُهزم. ودورنا أيضًا أن نواجه بالثقافة، وأن نحيي تراثنا في كل جامعة وكل ساحة؛ نرسم القدس، ونغني للجنوب، ونكتب عن غزة، وننشد للعودة إلى فلسطين. لن نخضع، لن ننسى، ولن نساوم».
وختم: «فلتكن وقفتنا اليوم رسالة من صيدا إلى رفح، ومن مخيم عين الحلوة إلى مخيم جنين، ومن جامعاتنا إلى جامعات غزة والضفة والجنوب: نحن معكم قلبًا وصوتًا. الاستهداف لن يزيدنا إلا إصرارًا، والعدوان لن يزيدنا إلا وحدة، والشهداء لن يزيدونا إلا عزيمة».
واختُتم النشاط بالتأكيد على مواصلة العمل الشبابي والطلابي المشترك دفاعًا عن الأرض والهوية، وتعزيز حضور الشباب في القضايا الوطنية، والتمسك بالثقافة والتعليم باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في حماية الذاكرة والهوية.






