Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • سياسية عامة
  • الأحد 23 آب 2026

حين تُعالَج مظلومية بمظلومية… احذروا ما بعد العفو

حين تُعالَج مظلومية بمظلومية… احذروا ما بعد العفو

المحامي سعيد بوعقل
استفاقت جزين اليوم على مشهد لا يجوز أن يمرّ مرور الكرام.
منشورات ألقيت بكميات كبيرة في شوارعها الرئيسية، تحمل اعتراضاً قاسياً على قانون العفو العام وتعبّر، بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراءها وعن مدى دقة مضمونها، عن شعور بالمرارة بدأ يظهر لدى فئات من اللبنانيين ممن يعتبرون أن القانون أنصف فريقاً وأغفل حقوق آخرين.
والمشكلة هنا لم تعد في ورقة ألقيت في شارع، بل في المناخ الذي سمح بولادة هذه الورقة وما يمكن أن يليها.
لقد قلنا قبل إقرار قانون العفو، ونكرر اليوم بعد صدوره، إننا لسنا ضد رفع الظلم عن أي لبناني. بل كنا من أوائل القائلين إن بقاء موقوف سنوات طويلة من دون محاكمة عادلة يشكل بحد ذاته ظلماً لا يجوز لدولة القانون أن تقبله. وقد أثيرت بالفعل حالات توقيف امتدت اثنتي عشرة وثلاث عشرة سنة من دون حكم، وهي أوضاع تستوجب المعالجة والمساءلة. 
لكن معالجة الظلم لا تكون بصناعة ظلم جديد.
العفو العام لا يكون عادلاً لمجرد أنه يحمل اسم «العفو». فالعدالة الحقيقية تقتضي أن يُنظر إلى المجتمع بأسره، وإلى الضحية كما إلى الموقوف، وإلى عائلة من فقدت ابناً أو أباً كما إلى عائلة من بقي ابنها خلف القضبان، وإلى جميع اللبنانيين بالمعيار نفسه، بعيداً عن الحسابات السياسية والطائفية والمذهبية.
وما حذرنا منه بدأنا نرى بعض ملامحه اليوم.
فعندما يشعر لبناني ضحّى دفاعاً عن وطنه بأن تضحياته أصبحت تفصيلاً، وعندما تشعر عائلة شهيد بأن دم ابنها أقل قيمة من تسوية سياسية، وعندما يشعر مواطن بأن القانون قاسٍ معه ومتسامح مع غيره، فإننا لا نكون قد أنهينا مظلومية؛ نكون قد نقلناها من مكان إلى آخر وربما وسّعنا دائرتها.
والمسألة أخطر من خلاف سياسي حول قانون. إننا نتحدث عن بلد خرج من حروب وانقسامات وفتن، ولا يزال نسيجه الوطني هشاً. وأخطر ما يمكن فعله في مثل هذا البلد أن يشعر أبناؤه بأن العدالة أصبحت موزعة بحسب قوة الطوائف وقدرتها على التفاوض والضغط.
لسنا هنا لنحمّل كل مستفيد من العفو مسؤولية القانون، ولا لنفتح أبواب الثأر، ولا لنحرّض منطقة على أخرى أو طائفة على أخرى. بل نقول العكس تماماً: إن ظهور خطاب الغضب في الشارع يجب أن يدفع الدولة إلى التحرك قبل أن يتحول الشعور بالغبن إلى احتقان، والاحتقان إلى ردود فعل لا يعرف أحد أين تنتهي.
فالذين ضحوا من أبناء الجيش والقوى الأمنية والمقاومة الوطنية وسائر اللبنانيين ليسوا أرقاماً في ذاكرة انتهت صلاحيتها، وأهلهم ليسوا مطالبين بأن ينسوا كي تنجح تسوية سياسية.
وفي المقابل، فإن من ظُلم بتوقيف طويل أو بمحاكمة تأخرت سنوات له حق على الدولة لا يجوز إنكاره.
كلاهما صاحب حق.
وهنا تحديداً كان يفترض أن تكون وظيفة القانون: أن يوازن بين الحقوق، لا أن يضع أصحابها في مواجهة بعضهم البعض.
إن المنشورات التي غطت بعض شوارع جزين اليوم يجب ألا تُقرأ باعتبارها مجرد حادث عابر، بل جرس إنذار. وعلى المسؤولين أن يسمعوه جيداً، لأن أخطر ما قد يواجه لبنان بعد العفو ليس خروج هذا السجين أو بقاء ذاك، بل أن يترسخ لدى فئة من اللبنانيين اعتقاد بأن الدولة عفت عن حقوقهم من دون أن تسألهم.
نريد عفواً يطوي صفحة، لا عفواً يفتح صفحات جديدة من الأحقاد.
نريد مصالحة وطنية لا غالب فيها ولا مغلوب، وعدالة لا تسأل الضحية عن طائفتها ولا المستفيد عن انتمائه السياسي.
فانتبهوا قبل فوات الأوان: الأوطان لا تُحمى بإطفاء نار في مكان وإشعالها في مكان آخر، ولا تُبنى العدالة بمظلومية جديدة فوق أنقاض مظلومية قديمة.

تواصل معنا
صيدا - لبنان
[email protected]
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة