
كتبت "الجمهورية" التالي : يبدو جلياً أنّ التطوُّرات العسكرية تتدحرج بصورة خطيرة على جبهة إيران، التي عاشت في الساعات الأخيرة جولة عنيفة من القصف والاستهدافات البرية والبحرية، وكذلك هو التدحرج على جبهة الجنوب اللبناني، في ظلّ الوتيرة العالية من التصعيد الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، وكثافة الاستهدفات بالغارات الجوية والقصف، والعودة إلى أسلوب الاغتيالات بالمسيّرات المسلحة، على غرار ما كان سارياً في مرحلة ما قبل الثاني من آذار الماضي. إلّا أنّ اللافت للانتباه في الساعات الأخيرة، ما صدر عن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من جبل الشيخ، عن "أنّ إسرائيل لن تسمح لأي جيش بالتمركز على حدودها"، وهو الأمر الذي اعتبره مرجع سياسي، رداً على سؤال لـ"الجمهورية": "دليلاً جديداً يقدّمه نتنياهو على أنّ إسرائيل لا تلتزم بأي تعهّدات أو اتفاقات مع أي جهة كان، سواء مع سوريا أو مع لبنان، بالتالي لا تريد انتشار الجيش اللبناني في المنطقة الجنوبية حتى الحدود الدولية. وهذا الأمر برسم الراعي الأميركي للمفاوضات وصيغة الإطار، الذي يقول إنّه يسعى لإنجاحها وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني".
مخاوف من هجوم
على أنّ هذا التصعيد المتصاعد، وما يرافقه من تركيز بالعدوان والاستهدافات بصورة خاصة على منطقة النبطية، يعزّزان، وفق تقدير عسكري، "الخشية ممّا يجري بثه من تسريبات عبر الإعلام العبري، نقلاً عن مصادر أمنية، تتحدّث عن نقاشات يجريها المستويان السياسي والأمني في إسرائيل، بعد حسم السيطرة على مرتفع علي الطاهر، حول خطط هجومية للجيش الإسرائيلي، لتوسيع نطاق المناطق التي يحتلها في الجنوب. وتضع النبطية كهدف لهجوم محتمل".
وبحسب ما أبلغ مصدر أمني رفيع إلى "الجمهورية"، فإنّ "مسار الانتخابات في إسرائيل المقرّرة أواخر تشرين الأول المقبل، مزدحم بالاحتمالات التصعيدية في أي لحظة".
وعبَّر المصدر الأمني الرفيع عن قلق جدّي ممّا سمّاها "معزّزات غير مباشرة لاحتمالات التصعيد"، عبر إشارات مخادعة صدرت من الجانب الإسرائيلي، قد يكون القصد منها توجيه الأنظار في اتجاه ما، وحرفها عن هدف حقيقي مخطط له في الخفاء، ومن هذه الإشارات، أولاً، الإفراج عن 5 أسرى، من دون أن يكون لهذا الأمر أي مقدّمات أو ممهّدات. وثانياً، إعلان الجيش الإسرائيلي أنّه يدرس تخفيض قواته العاملة في جنوب لبنان. وثالثاً، التسريب من قِبل مصادر أمنية حول عزم الجيش الإسرائيلي، على تنفيذ إعادة انتشار في المناطق التي يحتلها، عبر تقليص مدى المنطقة الصفراء، وإقامة ما سُمّيت المنطقة الرمادية، مع استحداث نقاط فيها للجيش الإسرائيلي تشكّل منطلقات دفاعية وهجومية.
وما يعزّز من هذا المنحى التصعيدي، في رأي المصدر الأمني الرفيع، "هو التركيز الملحوظ في الآونة الأخيرة، من قِبل المستويات الأمنية والسياسية والإعلامية في إسرائيل، على ما سمّوها نشاطات استخبارية مكثفة يجريها "حزب الله" تمهيداً لهجومات لاحقة، بالإضافة إلى التركيز على ما سمّوها تهديدات ومخاطر محتملة من قِبل "حزب الله" على إسرائيل في فترة الأعياد العبرية (بين أواخر أيلول وتشرين الأول) ولاسيما عيد الغفران، ما يفترض اتخاذ إجراءات احترازية من أي استهدافات قد يبادر إليها "حزب الله" خلال الأعياد". ويضيف: "هذا التركيز لا ينبغي إغفاله، إذ قد يكون مستبطناً إشارة غير مباشرة إلى عمل عدواني محضّر، تحت مسمّى الهجوم الاستباقي".
اجتماع أمني
هذه التطوُّرات، كانت محور اجتماع أمني في القصر الجمهوري، خُصِّص للبحث في الأوضاع الأمنية في الجنوب عموماً وفي منطقة النبطية خصوصاً، دعا إليه رئيس الجمهورية وحضره قائد الجيش، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي، والمدير العام للأمن العام، المدير العام لأمن الدولة، المدير العام للدفاع المدني، مدير المخابرات، رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، رئيس مكتب شؤون المعلومات في الأمن العام، ونائب مدير عام أمن الدولة.
وفي الاجتماع، عرض القادة الأمنيّون تقارير مفصّلة عن الوضع في المنطقة من مختلف جوانبه. وشدّد الرئيس عون على أنّ أي فراغ أمني في الجنوب يشكّل ذريعة للاعتداءات ومساساً بالسيادة الوطنية، معتبراً أنّ الانتشار الأمني في النبطية متصل بالتزامات الدولة اللبنانية وموقعها التفاوضي في الملف مع إسرائيل، باعتبار أنّ ضبط الأمن الداخلي يعزّز الموقف اللبناني الرسمي.
وجدّد الرئيس عون التأكيد على دور الجيش، الذي يشكّل العمود الفقري للاستقرار في المنطقة، وأنّ عمله يتناغم ويتكامل مع عمل الأجهزة الأمنية الأخرى، منوّهاً بدوره في حماية البنى التحتية والطرقات الحيوية وتأمين عودة الأهالي إلى بلداتهم. وأكّد الرئيس عون على أهمّية التنسيق الدائم بين الأمن العام وأمن الدولة وقوى الأمن الداخلي والدفاع المدني، لتفادي ازدواجية الجهد وتقاطع الصلاحيات، مع أهمّية التقييم الدوري للواقع الراهن، داعياً الأجهزة الأمنية إلى تحمّل مسؤولياتها، مؤكّداً أنّ أمن النبطية والمناطق غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، جزء لا يتجزّأ من أمن لبنان الواحد.
وكان الرئيس عون، قد بحث مع رئيس الحكومة نواف سلام نهاراً، الأوضاع الراهنة في البلاد عموماً وفي الجنوب خصوصاً، في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من البلدات والقرى الجنوبية. وتطرَّق البحث إلى "الإجراءات التي يتخذها الجيش لتعزيز انتشاره في القرى غير المحتلة لطمأنة المواطنين وعودة العمل في الإدارات الرسمية".
وأكّد الرئيس عون أمام وفد "حركة لبنان الشباب" أنّ "لبنان هو لجميع أبنائه كما هو عَلَمه الذي يتفيأه اللبنانيّون جميعاً، وهويّته التي يحملونها، مشدّداً على ضرورة أن يكون الولاء له حصراً وليس للخارج الذي يستقوي به البعض ضدّ إخوتهم في الداخل".
ولفت الرئيس عون إلى أنّه منذ حرب العام 1975، لم يكن من رابح بين اللبنانيّين، بل إنّ الجميع كان خاسراً. مشدّداً على ضرورة تغليب المصلحة العامة على ما عداها من مصالح شخصية وفئوية، ومعيداً التأكيد على حجم المسؤولية المشتركة في الحفاظ على البلد، "ذلك أنّ لكل منا، ومن موقعه، مسؤوليّته ودوره. فلنعمِّم هذه الثقافة بين المواطنين، لأنّ خيارنا الوحيد هو التكلّم بلغة المصلحة اللبنانية التي تحمينا جميعاً بعيداً من الاصطفافات مع الخارج".
وأضاف رئيس الجمهورية: "خيارنا كان بالتفاوض مع إسرائيل من منطلق أنّ لبنان هو دولة ذات سيادة، وسيادة القرار هي من ضمن مفهومنا للسيادة، ونرفض أن يفرض أحد من الخارج قرارنا علينا. وكان قرارنا بذلك من منطلق المصلحة الوطنية وحماية لبنان. فلا أحد يدرك مصلحته إلّا أبناؤه، لأنّ الخارج ينظر إليه من منطلق مصلحته فيه". وتابع: "لقد توصّلنا إلى "صيغة الإطار"، وهدفنا وقف الحرب وإعادة النازحين إلى قراهم وإنهاء حالة العداء نهائياً مع إسرائيل".
وأوضح: "لقد علّق كثر على الموقف الذي أطلقته من اليونان المتعلّق بإنهاء حالة العداء، وهذه الكلمة ليست بجديدة، وقد قلتها علناً مراراً، فماذا يريدون؟ هل يريدون أن نبقى في حالة حرب، وهل يمكن أن نتحمَّل حرباً بعد؟ إنّ كل تفسير لموقفي غير ذلك خاطئ ومشبوه. إنّنا مستمرّون في مسارنا لأنّه يشكّل قناعتنا لحماية البلد وإخراجه من سلسلة الحروب التي شُنَّت منذ العام 1969 إلى اليوم. فما حدث في العام 1969 كان بسبب تخلّي الدولة عن سيادتها، وقد وصلنا بفعل ذلك إلى الوضع الذي نحن عليه اليوم. فلن نعود إلى الزمن السابق، وسنكمل الطريق".
الصورة : (نقلا عن الجمهورية)
