Alitijah news online

www.alitijah.com

  • الرئيسية
  • سياسة
  • محليات
  • شؤون بلدية
  • إقتصاد
  • مقالات
  • امن
  • صحة
  • أخبار فلسطينية
  • سياحة
  • الرئيسية
  • دراسات ومقالات
  • الخميس 10 أيلول 2026

قد تكون صيدا تمر بمرحلة انفصال المواطن عن الشأن العام

قد تكون صيدا تمر بمرحلة انفصال المواطن عن الشأن العام

المهندس محمد دندشلي

تعقيباً على المقال الذي نشر في موقع "الاتجاه" بعنوان "هناك شيء كبير تغير في الشارع الصيداوي ويحتاج الى دراسة ؟"..(المتعلق بموضوع الاعتصام امام شركة الكهرباء قبل عدة ايام).

 

أعتقد أن ما تضمنه المقال من توصيف عن الاعتصام ليس حادثة عابرة مرتبطة بسوء تنظيم اعتصام، بل مؤشر اجتماعي وسياسي يستحق التوقف عنده.

والمفارقة التي أشرت إليها حقيقية: حين تقرأ وسائل التواصل وتسمع المجالس والصالونات فتظن أن المدينة على وشك الانفجار، ثم عندما تأتي لحظة الانتقال من الكلام إلى الفعل لا تجد إلا عشرات قليلة.
 

برأيي، هذا لا يعني أن الناس راضية، بل ربما يعني العكس تماماً: الغضب موجود، لكن الثقة بجدوى التعبير عنه تراجعت.
 

هناك فرق كبير بين الغضب والنضال. الغضب لا يحتاج إلى تنظيم: شكوى على فيسبوك، تعليق، حديث في مقهى أو مجموعة واتساب. أما النزول إلى الشارع فيحتاج إلى شيء إضافي: أن يعتقد الإنسان أن وجوده سيغيّر شيئاً، وأن الجهة التي تدعوه تمثله، وأن التحرك له هدف واضح ومسار ونتيجة محتملة. عندما تسقط هذه القناعة، يبقى الغضب ويختفي الفعل الجماعي.
 

وفي صيدا، أخشى أننا أمام تراكم عدة ظواهر في الوقت نفسه:
 

أولاً: إنهاك الناس وليس لامبالاتهم.
المواطن يعيش منذ سنوات أزمات متلاحقة: كهرباء، ماء، نفايات، سير، غلاء، انهيار خدمات، حرب وتداعياتها، ومؤسسات عامة عاجزة. عندما تصبح الأزمة هي الحياة اليومية، يفقد الاحتجاج نفسه عنصر الاستثناء. والكهرباء التي كان انقطاعها يوماً يستدعي غضباً عاماً، أصبح المواطن يتعامل معها عبر المولد والبطارية والطاقة الشمسية، ولو على حساب دخله. أي أنه انتقل تدريجياً من سؤال «كيف نحل المشكلة جماعياً؟» إلى «كيف أنجو منها فردياً؟».

 

ثانياً: أزمة ثقة بمن يدعو، لا بالقضية نفسها.
المواطن قد يكون مقتنعاً مئة في المئة بالمطلب، لكنه يسأل في داخله: من يدعوني؟ لماذا الآن؟ ماذا سيحدث بعد الاعتصام؟ هل هناك خطة أم صورة وتصريح وينتهي الأمر؟ وهل أنا مشارك في قضية عامة أم سأكون رقماً في نشاط لجهة سياسية أو اجتماعية؟ لذلك عبارة  «بغض النظر عن الجهة التي دعت» مهمة، لكنها عملياً ليست «بغض النظر». بالنسبة للناس، الجهة الداعية أصبحت جزءاً من تقييم القضية والتحرك.

 

ثالثاً: تضخم العالم الافتراضي.
وهذه ربما أخطر خدعة. خمسون شخصاً ناشطاً يستطيعون إنتاج مئات المنشورات والتعليقات وإعادة النشر، فتتشكل لدينا صورة ذهنية بأن هناك رأياً عاماً عارماً. لكن التفاعل الإلكتروني لا يساوي استعداداً مدنياً للفعل. لذلك قد يبدو المزاج الصيداوي على الشاشة صاخباً جداً، بينما يظهر في الشارع ساكناً.

 

رابعاً: ضعف الأطر الجامعة في المدينة.
صيدا كانت تاريخياً تمتلك قوى سياسية ونقابية وأهلية وشخصيات تستطيع، عندما تتقاطع على قضية، تحويل المزاج العام إلى حركة. اليوم هناك الكثير من الجهات، لكن القليل من المرجعيات القادرة على جمع الناس حول قضية من دون أن يشعر الآخرون بأنها محسوبة على طرف معين. أصبحت المدينة غنية بالأصوات وفقيرة بالمساحات المشتركة.

 

وهنا أصل إلى ما أراه أخطر من قصة اعتصام الكهرباء نفسها: قد تكون صيدا تمر بمرحلة انفصال المواطن عن الشأن العام.
يقول المواطن في قرارة نفسه: «تكلمنا ولم يتغير شيء. انتخبنا ولم يتغير شيء. اعترضنا ولم يتغير شيء. فلماذا أذهب؟».

 

إذا ترسخت هذه القناعة، تصبح المشكلة أكبر بكثير من الكهرباء. لأن المدينة لا تُبنى فقط بالمجلس البلدي والنواب والجمعيات والمؤسسات، وإنما بوجود كتلة اجتماعية تشعر أن المدينة تخصها وأن مشاركتها تستطيع التأثير في مسارها.
 

وهذا يقودني أيضاً إلى تجربة البلدية نفسها. قد يكون من المفيد ألا ننظر إلى ضعف المشاركة باعتباره تقصيراً من الناس فقط، بل رسالة إلى كل من يعمل في الشأن العام، ونحن منهم: الناس لم تعد تريد أن تُستدعى عندما نحتاج إلى جمهور. تريد أن تعرف ماذا تريدون أن تفعلوا، وما دورها، وماذا سيحدث في اليوم التالي.
 

لذلك لا أرى أن العلاج هو الدعوة إلى اعتصام أكبر في المرة المقبلة. العلاج أعمق: إعادة بناء الثقة بالفعل العام من الأسفل؛ قضية محددة، معلومات واضحة، هدف قابل للتحقيق، خطوات معلنة، متابعة، ثم إظهار النتيجة للناس. عندما يرى المواطن أن مشاركته أنتجت تغييراً صغيراً ملموساً، يعود للمشاركة في القضية التالية.
 

ولهذا أجد عبارة  «جرس إنذار مبكر» دقيقة، لكنني أذهب أبعد قليلاً:
الخمسة عشر شخصاً أمام شركة الكهرباء(الواردة في المقال) لا يقيسون حجم أزمة الكهرباء في صيدا؛ بل ربما يقيسون حجم أزمة الثقة بقدرة العمل العام على تغيير شيء.

 

وهذه، برأيي، أخطر بكثير من انقطاع الكهرباء.
وأظن أن هذا الموضوع يستحق أن يتحول إلى ورقة نقاش في المدينة؟ لماذا لا تتحول حالة الاعتراض الكبيرة التي نلمسها يومياً في صيدا إلى قوة مدنية فعلية؟ وما الذي ينبغي تغييره في أسلوبنا نحن قبل أن نطلب من الناس أن تتغير؟

تواصل معنا
صيدا - لبنان
[email protected]
+961 3 369424
موقع إعلامي حر
جميع الحقوق محفوظة © 2026 , تطوير شركة التكنولوجيا المفتوحة